بقلم: أحمد إبراهيم الفقيه
أبتلى الله الشعب الليبي بأناس في الحراك السياسي، لا يضعون مصلحة الناس ضمن أولوياتهم، ولا ينصتون لصرخات الألم التي تتصاعد من بين صفوفهم، ولا يقيمون اعتبارا لحجم المعاناة المعيشية التي طالت أهل البلاد، ولا يبذلون جهدا لإخراج بلادهم من عنق الزجاجة، ولا يقدمون أبسط الحلول وأكثرها يسرا،
وهي تنحيهم عن مراكز الصدارة التي يحتلونها ويتركون مواقعهم، لمن هم أقدر على أداء واجب الخدمة لوطنهم، بل يبادرون إلى إطفاء كل بادرة أمل تلوح في الأفق، لإبقاء البلاد تسير في النفق المظلم الذي أدخلوها فيه.
المؤسف أن تأتي الخيبة هذه المرة، من مجلس النواب، الذي انتخبه أهل البلاد ليكون تعبيرا عن إرادتهم، يحمل تفويضا بإدارة شؤونهم، والعبور بهم من المرحلة الانتقالية، إلى آفاق الدولة المدنية. وعندما خاض هذا المجلس صراعا ضد سلفه في التفويض الشعبي، المؤتمر الوطني العام، انتصر له الليبيون، وتحلقوا حوله مؤيدين له، يناصرونه ويقدمون له دعمهم، وخرجوا إلى الشوارع يهتفون بعدم التجديد للمؤتمر الوطني العام، وإنهاء مهمته، ورفضوا التمديد الذي أعطاه لنفسه، وأرغموه على إجراء انتخابات برلمانية، ثم أجبروه على القبول بالنتيجة، واعتبروه، عندما أصر على البقاء في المشهد السياسي بحجج قانونية ملفقة، جسدا ميتا انتهت مهمته.
هذا المجلس النيابي المؤقت، الذي وثق به الناس، أظهر هذه الأيام وجها كالحا ومناوئا لمصلحة الناس، وتحول إلى عقبة أمام حلحلة الأوضاع المتأزمة، والخروج بها إلى الانفراج، ورغم انتهاء صلاحيته وانتهاء مدة التفويض الممنوحة له، فهو يمارس الآن عمله خارج الصلاحية وخارج التفويض، لأن التمديد مقترن بالاتفاق السياسي، الذي يقوم هذا المجلس بوضع العراقيل أمام إنجازه.
انتخب أبناء الشعب نوابهم، من أجل حضور جلسات يناقشون فيها الشأن الليبي، إلا أن هذا لا يحدث، ولعله أول مجلس نواب في العالم يدعو إلى جلسات لا يحضرها الأعضاء، وعلى مدى ما يقرب الآن من عام كامل، لا يتحقق لجلساته النصاب القانوني إلا نادرا، وكلما سمعنا في الإعلام أخبارا عن عقد جلسة لإنهاء الأزمة، تلتها أخبار عن عدم انعقادها لعدم توفر النصاب، مع أنهم منتخبون على سبيل التفرغ الكامل، فهو ليس عملا تطوعيا وإنما عمل يؤدونه بأجور ومكافآت، كانت مثار استغراب الرأي العام لضخامة ما أباحوه لأنفسهم من تعويضات فوق المرتبات، في وقت يعاني فيه الناس من أوضاع معيشية في منتهى التردي.
تقاعس مجلس النواب عن الوفاء بالتزامه إزاء الاتفاق السياسي، وتأخر ثمانية أشهر على المصادقة على التشكيل الوزاري لحكومة الوفاق، وأوقع البلاد في حالة انقسام، وهو انقسام يزداد تجذرا كل يوم، إلى حد أننا رأينا دعوة تنطلق من مفتي البلاد، إلى إعلان الحرب على الجيش الوطني الذي يمثل الحراك العسكري الذي يكافح الإرهاب في الشرق، ويحظى بالتفاف الناس حوله هناك، لكي يصبح الأمر لا مجرد انفصال وإنما حربا أهلية. هذا الموقف يفتح البلاد على احتمالات كارثية، أستغرب كيف لا يشعر النواب المعارضون للصلح، بخطورتها على مستقبل ليبيا ووحدة شعبها وترابها.
وليس معنى ذلك أن الطرف الذي استلم إدارة شرق البلاد، أي المجلس الرئاسي، أفضل حالا. إنه يتخبط ويعاني في عملية استيعاب الميليشيات، ويعرض نفسه لحمل أوزار جماعات الإسلام السياسي العسكرية والسياسية، ويجد نفسه مرغما على التعايش مع المفتي وفتاواه التي لا تساهم في تسهيل مهمته، أو فتح آفاق المصالحة مع بقية الأطراف وتحقيق الإجماع حوله.
وآخر الكوارث التي أظهرت ضعفه وسوء إدارته للوضع الميليشياوي، كارثة قتل 12 سجينا سياسيا قضت المحاكم بالإفراج عنهم، وعند خروجهم من السجن تصدت لهم جماعات مسلحة، وقتلتهم بدم بارد جميعا، وألقت بجثثهم على قارعة الطريق، ليفتح الحادث ملف الانهيار الأمني كاملا، وعدم خضوع الجماعات المسلحة لسيطرة المجلس، عدا الأزمات التي تزداد استفحالا، رغم أنها تتصل بالاحتياجات الأساسية للناس، الذين ظنوا أنها ستجد حلا مع دخول المجلس للبلاد، مثل أزمة غياب الكهرباء عن المنازل، وأزمات السيولة في البنوك، وعدم وصول المرتبات إلى العاملين في الدولة.
وليس لدى المجلس الرئاسي شيء يستطيع استثماره، ليقول من خلاله أنا هنا، غير المعركة التي دخلتها أطراف مسلحة تعلن تبعيتها له، على داعش المتمركز في مدينة سرت، وأغلبها جماعات مسلحة من مصراتة، وأحرزت تقدما ملحوظا إلى حد اقتحام هذا المعقل من معاقل تنظيم الدولة والسيطرة عليه، وهي معركة وطنية، لا أحد يشكك في وجاهتها، وقوة التضحيات التي تحملها المحاربون، والشعب كله، إن لم نقل العالم المتحضر يبارك هذه المعركة، ويكبر الانتصارات التي تم تحقيقها ضد التوحش وأهله وكنا ننتظر فعلا أن تلتحم قوات الشرق الليبي مع هذه القوات من الغرب، لتجعل من المعركة ضد داعش معركة الشعب الليبي بأكمله.
ولكن تقاعس مجلس النواب في البيضاء عن الالتحاق بالمصالحة وعرقلة المصادقة على الحكومة، حرم البلاد من مثل هذا المشهد، الذي نرى فيه البلاد قد رمت خلفها كل أسباب النزاع، واحتضن نصفها الشرقي نصفها الغربي، لتعود كيانا واحدا صلبا.
________
العرب