Minbar Libya

بقلم رشيد خشانة

لعل من أكثر الأسئلة شيوعا، هذه الأيام، في الأوساط الأكاديمية، وبين المشتغلين بالشأن الليبي عموما، السؤال النزق:

هل ليبيا تسير نحو تقسيم محتوم، بعد إصرار طرفي الصراع على نفي الآخر، واستحالة العثور على مربع مشترك يستوعبُهما معا؟

معالم الخريطة السياسية والعسكرية الراهنة تقول إن التوازن بين القوة العسكرية لحكومة الوفاق في طرابلس، والقوة المقابلة التي تأتمر بأوامر قائد الجيش في المنطقة الشرقية خليفة حفتر، يشكل دافعا مهما إلى التقسيم، بحكم الأمر الواقع، القائم حتى الآن على معادلة صفرية.

تؤدي صيغة لا غالب ولا مغلوب، بشكل مُتدرج، إلى نوع من الجمود، الذي يجعلك تتقبَل عن مضض الواقع القائم، من دون أن تقبل به، فيتحول مع الزمن إلى واقع تتعامل معه كما هو، أسوة بما يفعله اليوم القبارصة اليونانيون والأتراك، على طرفي خط التقسيم.

بهذا المعنى يُعتبر الوضع القائم في طرابلس مرشحا للاستمرار، إذ أن الأسلحة التي يحصل عليها طرفٌ، استعدادا لتغيير الموازين العسكرية، يتدفق مثلُها بالانسيابية نفسها، على الطرف الثاني، من جهة دولية أو إقليمية أخرى، في مثال أنموذجي للحروب بالوكالة.

ولعل هذا ما حمل المبعوث الأممي إلى ليبيا غسان سلامة على التحذير بجد من سيناريو التقسيم.

إبرة الميزان

من خلال قراءة طبيعة التشكيلة الاجتماعية في المنطقة الشرقية، القائمة على مركزية القبيلة، يُدرك المرء أن من الصعب أن تخرج المدن الرئيسة، وفي مقدمها بنغازي، من قبضة اللواء خليفة حفتر، في المدى المنظور.

كما أن عديد المدن الجنوبية في إقليم فزان تم اخضاعها لنفوذ الجيش الذي يقوده حفتر، وسيكون من الصعب والمُكلف استعادتُها منه.

في المقابل، من الثابت أن طرابلس ومصراتة ستبقيان خارج دائرة سلطة القائد العسكري للشرق، لا بل هما إبرة الميزان، التي تُعدل الكفة كلما انخرمت التوازنات.

من هنا يبدو أن المسار ما زال طويلا، وكلما طال أكثر زاد مفعول ديناميات التقسيم، التي نكتشف كل يوم أنها أعمق وأقوى مما كنا نتصور، على حساب نزعات التوحيد.

ليست هناك تقديرات دقيقة حاليا للقدرات العسكرية الحقيقية لكل طرف، فالوضع متقلب بوتيرة سريعة. لكن إذا كانت السيطرة على بنغازي، قد تطلبت من قوات حفتر ثلاث سنوات، فكم ستستغرق السيطرة على طرابلس؟

أما مصراتة بطائراتها الحربية ودباباتها ومدرعاتها، فلا يمكن تصور الاقتراب منها أصلا، ناهيك أن قوات الجيش، التي زحفت إلى طرابلس، اضطرت إلى توخي طرق جانبية، بعيدا عن الخط الساحلي لتفادي مصراتة.

ومع تكريس هذا الأمر الواقع، تتعالى الأصوات “البراغماتية” داعية لتحويله إلى وضع قانوني وخيار تفاضُلي بين خيارات أخرى أكثر سوءا. وتستند تلك الأصوات على حقائق تاريخية تعود إلى زمن الاستقلال (1951)، لتُدلل على أن الانقسام ليس جديدا، بل لعله أفضل حل في الوضع الراهن.

فبعد الإعلان عن استقلال ليبيا يوم 24 كانون الثاني/ديسمبر 1951، انتقل البلد من مستعمرة إيطالية إلى دولة مستقلة ذات سيادة. واللافتُ هنا أن قرار الجمعية العامة رقم 289 الذي مهد للاستقلال (1949) نص على أن “ليبيا، التي تشمل برقة (شرق) وطرابلس (غرب) وفزان (جنوب)، تُكوِن دولة ذات سيادة مستقلة”. وشكلت الأقاليم الثلاثة المملكة الليبية المتحدة، التي استمرت إلى 1963 تاريخ إلغاء النظام الاتحادي، قبل أن يُنهي انقلاب القذافي في 1969 النظام الملكي.

الأقاليم الثلاثة

من المهم العودة إلى أسس النظام الاتحادي، لكي نرى كيف استطاع الليبيون اجتراح توافق كان قاعدة للعيش المشترك، مع مراعاة خصوصيات الأقاليم الثلاثة.

فلدى تكوين الجمعية الوطنية، انبثقت لجنة الواحد والعشرين، التي تضم سبعة ممثلين من كل ولاية، على أن يختار الأمير ادريس السنوسي ممثلي برقة، ويختار أحمد سيف النصر ممثلي فزان، ويختار المفتي أبو الاسعاد العالم ممثلي طرابلس.

ومن مهام هذه اللجنة الاتفاق على كيفية اختيار أعضاء الجمعية الوطنية، أي إما بطريقة التمثيل النسبي أو بالتساوي. وتقول المؤرخة الليبية سمية سالم الشعالي إن النقاش الطويل والحاد بخصوص هذه القضية، أفضى إلى اتفاق على أن يكون التمثيل قائما على التساوي بين الولايات، بغض النظر عن عدد السكان.

وهكذا أبصرت الجمعية الوطنية النور، وتكونت من ستين عضوا (عشرون عضوا عن كل إقليم). وبذلك استطاع الليبيون إيجاد توليفة تتماشى مع روح العصر آنذاك، وتتعاطى بواقعية ومرونة مع الفروق في عدد السكان بين الولايات، والفروق الأخرى ذات الطابع العرقي والديني.

كيف صارت أوضاع الأقاليم الثلاثة اليوم؟

ميدانيا، سيطر الجيش الذي يقوده حفتر على المنطقة الشرقية، وتمدد جنوبا في مطلع العام، بدعم من فرنسا، التي لديها مطامع قديمة وغير خافية في إقليم فزان، ليستحوذ حفتر على الحقول النفطية الرئيسة.

لكن إيرادات النفط والغاز ما زالت في أيدي “مؤسسة النفط الوطنية”. ثم زحف شمالا نحو العاصمة في حملة عسكرية لا تخفى أهدافُها، فهي ترمي لاستكمال السيطرة على قلب البلد، بتعلة تطهير العاصمة من الجماعات المسلحة.

غير أن هذه الحملة تعثرت ثم تعطلت بسبب التوازن في القوة، الذي جعل قوات حفتر غير قادرة على حسم المعركة لصالحها، واستطرادا بات “فتح طرابلس” في خبر كان.

على أساس علاقة القوة هذه، سيتم التفاوض عاجلا أم آجلا، على الصيغة الممكنة للعيش المشترك، بـ”رعاية” دولية. إلا أن “رعاية” القوى العظمى لن تكون في المستقبل بالدرجة التي كانت عليها لدى ولادة الدولة الليبية المستقلة، ولا خلال وضع دستور المملكة.

غطاء أممي

لقد سئم أصحاب القرار الدولي متابعة المسلسل الليبي، الذي يبدو لهم ثقيلا ومُملاً. والظاهر أنهم ينتظرون من سيكون المنتصر في نهاية المطاف، لكي يتعاطوا معه بوصفه “سيد الأمر الواقع”. ولابد لاعتماد هذا الخيار، من غطاء أممي، لكن من الصعب تحصيل هذا الغطاء ما لم يسُد التوافق بين القوى الكبرى، وبخاصة بين فرنسا وإيطاليا.

من هذه الزاوية ينبغي قراءة الدعوات الحالية إلى التقسيم، التي لا يرى أصحابها فرصا حقيقية للعيش المشترك، لا في إطار دولة موحدة ولا في إطار فدرالية.

كما أن المزاج الليبي العام، الشاعر بالضجر من المآلات الحالية، صار يفكر في التقسيم بوصفه آخر دواء لأمراض ليبيا.

على هذه الخلفية تأتي المساعي التي يقوم بها كلٌ من حفتر والسراج لتحقيق اختراق في المعسكر المقابل، إرباكا لدعوات التقسيم، فنلاحظ أن حفتر يحرص على وجود ضباط وشخصيات من المنطقة الغربية، فضلا عن الجنوب، في الدائرة الأولى من حوله.

كما أن السراج فتح حوارات مع قيادات اجتماعية وشخصيات اعتبارية من المنطقة الشرقية، من بينها عبد الحميد الكزه، المنحدر من أسرة معروفة بتاريخها الوطني في سلوق (بنغازي). غير أن الشخصيات التي تتحاور مع السراج ليست لديها حاضنة اجتماعية كبيرة حاليا، لأن كثيرا منها لم يعد يقيم في المنطقة الشرقية.

على أن هذه “الاختراقات” المتداخلة لا تُبعد شبح التقسيم، الذي كان أول المحذرين منه المبعوث الأممي غسان سلامة، في إحاطته الأخيرة أمام أعضاء مجلس الأمن. ونبه سلامة يومها من أن المعركة في جنوب طرابلس بين قوات حفتر وقوات الوفاق “ليست سوى بداية لحرب طويلة ودامية”.

وقال في تلك الاحاطة جملته الشهيرة “الحقيقة هي أن ليبيا يمكنها أن تدفع ثمن انتحارها”، في إشارة غير مباشرة إلى استخدام عوائد النفط لشراء الأسلحة.

مواقف القوى الكبرى

ربما ما يؤخر التقسيم هو أن القوى الكبرى ما زالت لا تملك تصورات جاهزة حول هذه الفكرة. لا بل نشعر أن هناك ميلا إلى استبعادها في دوائر صنع القرار، ففي أمريكا مثلا ما زال العنوان الرسمي هو التعاطي مع حكومة الوفاق المعترف بها دوليا، مع وجود علاقة خاصة مع حفتر، الذي أمضى أكثر من عشرين عاما في الولايات المتحدة.

وانطلاقا من هذا التصنيف نلحظ أن الرسالة التي توجه بها أعضاء لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي، إلى الرئيس ترامب، أكدت أن لدى واشنطن “علاقة مهمة بحكومة الوفاق الوطني الليبية، التي قادت حربا ناجحة على الإرهابيين في سرت، في عام 2016”.

وذكَر أعضاء اللجنة بأن الحكومة الأمريكية “استثمرت موارد كبيرة في دعمها لحكومة الوفاق على الرغم من ضعفها”، مضيفين أن التاريخ “أثبت أن أفضل من يكون شريكا للولايات المتحدة هي الحكومات التي يقودها مدنيون”، في إشارة واضحة إلى استبعاد القائد العسكري للمنطقة الشرقية.

أكثر من ذلك، انتقد أعضاء اللجنة الحملة العسكرية التي يقودها حفتر على العاصمة طرابلس، وعبروا عن “قلقهم الشديد إزاء استمرار الصراع في ليبيا”. ولو توقفنا عند الرؤى المُعلنة لباقي القوى العظمى حول مستقبل ليبيا، لما وجدنا فروقا كبيرة بينها في هذه المسألة، فالجميع يتمسك، في الخطاب على الأقل، برفض التقسيم والسعي للتعاطي مع حكومة مركزية قوية.

ومن هنا فالأصوات الأكثر ارتفاعا للتبشير بالتقسيم، باعتباره “الحل الواقعي” اليوم، هي أطراف ليبية، وبعض دول الجوار المستفيدة من استمرار عدم الاستقرار في ليبيا.

وبهذا المعنى سيظل التقسيم خيارا شاحبا، ضعيف السند، ما لم تتغير ملامح المشهد الحالي بشكل نوعي.

***

رشيد خشانة ـ صحفي وكاتب تونسي

__________________

القدس العربي