Minbar Libya

بقلم بحري العرفاوي

ظل حكام العرب من غير العسكريين يتخذون من الديمقراطية ستارا يتخفون به لممارسة السلطة المطلقة ولمحاربة معارضيهم يتهمونهم بمعاداة الديمقراطية والتقدمية والحداثة.

الجزء الأول

تلك الأنظمة العربية المستبدة كثيرا ما تضطر لتقريب بعض الأيديولوجيين إليها من يساريين أو عروبيين تستقوى بهم على الإسلاميين الذي ظلوا دائما مستثنين من الاستيعابالديمقراطي.

الإسلاميون كلما أتيحت لهم فرصة المشاركة في انتخابات ديمقراطية كانوا هم الفائزين ولكنهم سرعان ما ينقلب عليه خصومهم في الداخل والخارج.

لماذا ظلت الديمقراطية غريبةفي المجتمعات العربية؟ لماذا ظل الإسلاميون مستثنون من الاستيعاب الديمقراطي؟

1- غربة الديمقراطية

الديمقراطيةليست منتوجا عربيا إسلاميا وليست من مشتقات ثقافتنا، إنما تسربت إلى فضائنا ضمن المشهد الحضاري، الذي اصطحبته حملة نابليون على مصر سنة 1798، ثم اشتغل عليها بعض رجال الإصلاح تباعا مصدومين بغلبة الاستعمار المتقدم، مستنتجين بأن من شروط التقدم الاستفادة من الغالبينفي التنظيمات وفي أسباب القوة، مما لا يصطدم بأسس العقيدة ومقاصد الشريعة.

تكلم مصلحون كثر في الحرية وفي العدالة والمساواة وفي مقارعة الاستبداد.. تحتاج الأفكار دائما أجواءً هادئة لتأملها وترسّخها، ضمن تصور فلسفي متناسق، أو ضمن رؤية سياسية منسجمةحملات الاستعمار على البلدان العربية لم تسمح لفكر النهضة أن يتماسك، ولم تدع في النفوس هدوءا وأمانا ينجذب للفكرة المتمدنة“. لم يكن الناس بحاجة إلا لأدوات المقاومة.

لقد شغل المستعمرون العقل العربي لعقود بالبحث عن مسالك تهريب السلاح وابتداع طرائق المقاومةالاحتياطات الأمنية في الجسم المقاومتقتضي السرية والحيطة وتشفير الخطاب

هل كان ممكنا أن تتدرب الجماهير العربية يومها على الديمقراطية تحت سقف الاحتلال؟

أم كانت أوطانها مُحتاجة إلى ذوي الجرأة والإقدام وخُلق الشجاعة والبسالة (و) اقتحام المهالك.. واحتمال المكاره ومقارعة الأهوال (و) بذل الأرواح في سبيل الحق؟ ـ كما يقول المصلحان جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده في نص مشترك بمجلة العروة .

إن جهود الدفاع عن الكيان المهدد خارجيا مقدّمة دائما على جهود المدنية“… الاستعمار الذي جثم في أقطارنا عقودا هو الذي أجهض مشاريع الإصلاح وشغل الناس عن كل مقدمات التمدن والتنمية، وهو الذي شحن الأنفس بنزوع قتالي دفاعي، وبتوجس من كل منتجات الإفرنجالمستعمر.

هل كان ممكنا أن ينجذب الناس إلى فلسفة الأنوار حين يستمعون إليها مترجمة في فوهات المدافع والدبابات؟

2- دولة الاستقلال وأولوية التنمية

إثر تصفية الاستعمار بفعل حركات التحرر أو بفعل قرارات دولية، استقر الأمر لحكومات وطنية شكلها في الغالب زعماء التحرير، ممن يعرفهم الرأي العام الداخلي والخارجيتلك الحكومات لم تكن مسكونة بسؤال الحرية، ولا بتصريف الديمقراطية.

كانت منشغلة أولا بتأكيد سلطانها، ثم ثانيا بتحقيق تنمية بمعنى الكم المعاشي وليس آليات التنميةبل إن الحرية ذاتها لم تكن مطلبا شعبيا فالجماهير كانت قانعة بنشوة النصر وفرحة الاستقلال.

لم تكن معنية بحراسة فرحتها تلك، فقط بعضٌ من المدربين سياسيا من شركاء معارك التحرير كانت لهم الجرأة على الاختلاف في أصول أو فروعلم تكن اختلافاتهم كافية لطرح سؤال الديمقراطية وقد مات بعضهم في ظروف لم تسمح المرحلة الانتقالية بكشفها.

وربما كان المستعمر المنسحبُ لتوه ـ عسكريا ـ لا يسمحُ بنشأة الأفكار المختلفة الذاهبة إلى مستقبل متعارض مع استراتيجيا العقل الاستعماري.

لقد زرع الاستعمار في بيئتنا العربية الإسلامية قبل انسحابه ذاك المبيد الديمقراطيكي لا تنشأ ديمقراطية أصيلة تُصعّد بها شعوبُنا إلى الحكم من تثق بانتمائه العميق إلى قضاياها الجوهرية، ومن يُؤتمن على الثروة وعلى الهوية وعلى الالتزام الدائم تجاه قضايا التحرر العادلة.

العقل الاستعماري يريد لنا ديمقراطية مُعَلبة، تدرس في الكتب ولا تُنتج نظاما ديمقراطيا حقيقيا.

3- ديمقراطية التحرر

إذا كان الإخفاق الديمقراطي في بلادنا العربية مرتبطا بجذور استعمارية، فإن الرهان الديمقراطي لن يتحقق إلا بخوض معركة التحرر بكل آلياتها، وفي كل مساحة ترتبط بها هويتنا ومعاني وجودنا.

على الأحزاب العربية المعارضة كما على النخب وكل مكونات المجتمعات الوطنية أن يسعوا جادين إلى تحرير أنظمة الحكم، لا بما هي أشخاصٌ أو أحزابٌ، وإنما بما هي أجهزة لاتخاذ القرارات وتصريف الشأن العام والتكلم باسم الأوطان.

وكم قدمت شعوبنا العربية من تضحيات على امتداد عقودعشرات الآلاف ممن سجنوا ـ قرون من سنوات السجن ـ وممن قضوا وممن فقدوا عقولهم وذاكرتهم وممن تركوا ديارهم وممن اختلطت عليه السبل، لا يدري أهو مطلوب لبلده أم مطلوب فيه.

ولم تتحقق ديمقراطية لا أصيلة ولا مُترجمةديمقراطية لا يُنتظر منها فقط تحقيقُ تداول على السلطة، وإنما أساسا يُنتظرُ منها تحقيقُ المواطنة الحقيقية للأفراد، حين يجدون في أنفسهم شعورا عميقا بالانتماء لوطن يتسعُ لأفكارهم ولأشواقهم ولرغبتهم في العيش وفي الحياة

وطن يشتركون فيه مع شركاء الانتماء في كل الحقوق والواجبات، ويتساوون أمام القانون وفي شوارع المدن لا يكفي معرفة ما نريد.. بل يجب معرفة الطريق إليه.

ليس مجديا الاكتفاءُ بإلقاء مسؤولية الإخفاق الديمقراطي على أطراف خارجية أو على الأنظمة المستبدة، فللأزمات دائما جذورها في الذوات بما هي آليات تفكير وأجهزة نفسية ..

لنا أن نتأمل طبيعة العلاقات والتعاملات بين أفراد المجتمع داخل الأسر والمؤسسات المدنية وحتى داخل المؤسسات التربوية وداخل الأحزاب المصنفة معارضة .

نتأمل تعامل المتعلمين مع الأقل علما وتعامل المسؤول الإداري مع منظوريه وتعامل رب الأسرة مع زوجته وأبنائه وبناته وتعامل الشيخ مع مريديه وتعامل الصغار مع الكبار وتعامل ذوي المال مع الأقل مالا.

لا يمكن إغفال آثار طبيعة النظام الاقتصادي في تحديد العلاقات وأساليب التعامل داخل المجتمع، هل تمثل مجتمعات الثراء الفاحش قُبالة الفقر المدقع منبتا خصبا لمشروع ديمقراطي أو ثقافة التنوع والتعدد والاختلاف؟

هل يمكن الحديث عن ديمقراطية أو عن انتخابات في ظل الأمية السياسية وفي ظل الفقر المعرفي؟

هل يُعتد بانتخابات تنجزها طوابير العامة من الذين لا يُجيدون قراءة البيانات السياسية والبرامج الانتخابية بل ولا يَعون أصلا معنى الانتخاببما هو عملية واعية حرة في تفريز النخبة بما هي أجود ما يكون من بين المترشحين، وحتى نستطيع فرز النخبة من الكل يجب معرفة الكل أي كل الأحزاب لا بما هي أفراد وأسماءٌ و إنما بما هي برامج اقتصادية وثقافية وسياسية وتعليمية.

كثيرا ما تنتهي انتخاباتإلى تشريع الاستبداد باسم العامة حين تتجه الجماهير مدفوعة بحالات خوف وطمع وجهل نحو صناديق تُحملها أوهامها.

***

بحري العرفاوي ـ كاتب وباحث تونسي

____________