Minbar Libya

بقلم اسماعيل القريتلي

بات ضروريا فهم وتحليل المحركات الداخلية للأزمة الليبية، فبدون ذلك لا يمكن لجميع الفاعلين الليبيين إعادة بناء أجنداتهم الحوارية بعيدًا عن الاصطفاف خلف شعارات ومصطلحات تضلِّل وعي الليبيين. ففهم مسألة المحركات الداخلية للأزمة الليبية تعني وضع صرح يشارك فيه الجميع بعيدا عن الإقصاء والمغالبة.

الجزء الأول

حاول هذا التقرير تحليل محركات الأزمة الليبية في بُعدها المحلي؛ لظني أن أساس الأزمة داخلي. ورغم توسع التأثير الخارجي، خاصة بعد التدخل الغربي والعربي لإسقاط حكم القذافي في 2011، فإن الأزمة في ليبيا قديمة ظهرت مع مناقشات تأسيس الدولة الوطنية في ليبيا منذ نوفمبر 1949 ولا تزال مستمرة حتى لحظتنا الراهنة.

وعليه، لن يشير التقرير إلى المحركات الخارجية للأزمة في مسعى متعمد للتذكير بأهمية الالتفات للمحركات المحلية، وبذل الجهد المحلي الوطني والأممي ممثلًا في الأمم المتحدة وبعثتها الخاصة إلى ليبيا لتوسيع النقاش والحوار والتفاوض بخصوص تلك المحركات، وعدم الاكتفاء بتصميم عملية انتقالية بين بعض الأطراف السياسية التي أنتجتها 17 فبراير ثم الاتفاق السياسي الموقع عليه في مدينة الصخيرات المغربية في ديسمبر 2015.

وعلى النخب ووسائل الإعلام خصوصًا الليبية أن تعيد بناء أجنداتها الإخبارية ومواضيعها الحوارية بما يخدم التنوير بتلك المحركات بعيدًا عن الاصطفاف خلف شعارات ومصطلحات تضلِّل وعي الليبيين عن سؤالهم: لماذا الصراع في ليبيا؟ وعرض إجابات تفسيرية لذلك السؤال يشارك فيها الجميع وعدم الاكتفاء بعرض ادعاءات أطراف الصراع السياسي والمسلح.

تقديم

يصعب من جهتَيْ العلاقات والواقع الفصل بين محركات الأزمة الليبية ثنائيًّا أو جماعيًّا، فمثلًا المحرك الاقتصادي مرتبط عضويًّا بالمحرك السياسي؛ إذ تتحكم حكومة الوفاق في موارد الدولة بسبب وجودها مع مصرف ليبيا المركزي في طرابلس، بل ويتصل من جهة الواقع بالمحرك الجهوي كما نلحظ في المطالبات الفيدرالية التي تتحدث عن غياب العدالة في توزيع الثروة أو عائدات النفط، وأحيانًا يرتبط السياسي بالمحرك الإثني مثل ما كان من مواقف المكونات القومية من مسودة الدستور.

غير أنه من باب التفصيل المنهجي رأيت أن أتحدث عن كل محرك للأزمة بشكل منفصل عن الآخر مع ذكر الروابط بينها كلما كان ذلك ضروريًّا.

المحرك الاقتصادي

تبدأ إشكالية الاقتصاد في ليبيا من اعتماديته الكلية على مورد واحد يتمثل بعائدات تصدير النفط الخام والغاز؛ إذ يشكِّل النفط والغاز وبعض المواد الكيميائية المستخرجة من النفط قرابة 100% من الصادرات الليبية، في مقابل أن الحكومة تعد ميزانية استيرادية تستورد بها تقريبًا كل شيء من المواد الغذائية إلى الآليات والأدوات الميكانيكية والأدوية والمنسوجات والوقود وغيرها.

وعزَّز طبيعةَ النظام الاقتصادي في ليبيا الذي يتسم بتحكم الحكومة المركزية بكل قطاعاته؛ فحتى القطاع الخاص يخضع للاعتمادات المالية الحكومية، وعقود المشاريع العامة المختلفة سواء المتعلقة بالبنية التحتية أو قطاعات الخدمات أو استيراد احتياجات الحكومة نفسها.

أنه لا توجد حصة تُذكر للمستثمر المحلي والأجنبي بصيغة الشراكة بين القطاعين العام والخاص بصيغها التعاقدية المختلفة ، وأدى ذلك إلى هيمنة الاقتصاد الريعي على النشاط الاقتصادي في ليبيا.

وينتج عن الاقتصادات الريعية التي تعتمد على مورد/موارد طبيعية تركُّز الوظائف بالقطاعات الحكومية مثل وظائف الوزارات والهيئات الحكومية، التي توجد أساسًا في المناطق الحضرية في ليبيا، خاصة في مدينة طرابلس بصفتها مقر الحكومة والنظام السياسي والاقتصادي ومصرف ليبيا المركزي فنتج عن ذلك عمليات نزوح وهجرة من الدواخل والمناطق الريفية تجاه طرابلس، وبنسبة أقل نحو بعض المدن الكبرى مثل بنغازي.

من النتائج التي ترتبت على تعديل الدستور سنة 1963 إلغاء مستويات الإدارة والحكم المحلي فعززت التعديلات هيمنة الحكومة المركزية المستقرة في مدينة طرابلس وتحكمها في عائدات الموارد الطبيعية (النفط والغاز) بسبب غياب هيكل سياسي وإداري لمستويات الحكم ما بين حكومة وطنية وحكومات جهوية (بغضِّ النظر عن مسمياتها) وحكومات/إدارات الحكم المحلي.

ومنذ سيطرة القذافي على حكم ليبيا، في 1969، وتعديلات عدد وجغرافية المحافظات حتى إلغائها في 1995 واستبدال الشعبيات بها والتي لم تثبت كذلك عدديًّا وجغرافيًّا وحتى ثورة فبراير وما بعدها، اندمجت المؤسسة السياسية والاقتصادية والأمنية لتؤسِّس مجتمعةً منظومة سياسية اقتصادية تتصف بالمركزية لا تلتفت عمليًّا إلى المستويات المحلية.

وزاد الانقسام السياسي والحرب الأهلية في ليبيا وإنكار إشكالية النظام المركزي في الحكم والإدارة والاقتصاد والمال من انغلاق منظومة الحكم المركزية؛ الأمر الذي عزز التجاذبات الجهوية خاصة بين إقليمي برقة وطرابلس، بل حتى داخل إقليم طرابلس نفسه إذ تعرضت مدينة طرابلس إلى محاولات عديدة للسيطرة على نظام الحكم فيها من قبل مجموعات مسلحة مدعومة اجتماعيًّا وسياسيًّا من مناطق ومدن مثل مصراتة والزنتان وترهونة.

المحرك الهوياتي للأقاليم

إلى جانب إشكالية النظام السياسي والاقتصادي المركزي فإن عوامل جغرافية وتاريخية منعت أقاليم ليبيا الثلاثة من تحقيق اندماج يعزز ركائز الدولة الوطنية، فطبيعة الجغرافيا والفواصل الطبيعية بين الأقاليم وضعف أو انعدام وسائل المواصلات مثل الطرق وخطوط السكك الحديدية وغيرها في حقبة ما قبل الاستعمار الإيطالي، وعدم وجود هياكل ومؤسسات للدولة قبل احتلال إيطاليا لليبيا، سنة 1911، كل ذلك أسَّس لمجموعات سكانية غير مندمجة في كل من برقة وطرابلس وفزان.

ولم تنجح إيطاليا في إقرار أسس الدولة الوطنية رغم محاولتها في عام 1934 عندما شكَّلت إدارة موحدة لجغرافية ليبيا وسمَّتها ليبيا الإيطالية. غير أن اندلاع الحرب العالمية الثانية وهزيمة إيطاليا وألمانيا وضم شمال ليبيا للانتداب البريطاني ثم تأسيس إمارة برقة، في مارس 1949، بدعم من بريطانيا وربما بدافع عرقلة تأسيس دولة ليبيا الوطنية، كما لاحظنا لاحقًا عندما قدَّم وزيرا الخارجية، البريطاني والإيطالي، مشروع الوصاية على ليبيا، قبل أن يفشل المشروع ويصدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 289، في نوفمبر 1949، الذي يقضي بحق الليبيين في تأسيس دولتهم الوطنية بدعم ورعاية أممية.

لا شك أن في الحقبة الملكية وحقبة سلطة القذافي تأسست عديد المؤسسات التي طورت تواصلًا أفضل بين سكان الأقاليم الليبية، مثل الجامعات والقوات المسلحة وغيرها من المؤسسات وهياكل الدولة، إلا أن ذلك كان دائمًا يؤثر فيه سلبًا مركزية القرار السياسي والاقتصادي والمالي وعدم ثبات الشكل الإداري والسياسي للدولة إبَّان حكم القذافي.

ثم استمر الأمر بعد ثورة فبراير/شباط؛ إذ عجزت سلطات فبراير الانتقالية غير المنتخبة والمنتخبة في الالتفات لأهمية عقد حوارات ومفاوضات تأسيسية بين الليبيين بل كانت العجلة هي المناخ الذي ساد الحالة السياسية في ليبيا بعد رحيل القذافي.

ولعل الإشكال الجهوي يتضح أكثر من زوايا الأبعاد الهوياتية؛ فاختلاف العادات والأعراف ومرويات المخيال الشعبي واللهجات في الأقاليم الثلاثة تعزز هذا التمايز الهوياتي.

ولم يحظ هذا التمايز بالاعتراف في مستوى المدونات التشريعية والقانونية، وفي نظام الحكم وشكل الدولة، ولم تمنح الأقاليم مساحة واسعة للمشاركة السياسية، إلى جانب غياب لمستوى حكم محلي ثالث مستقل إداريًّا وتشريعيًّا وماليًّا عن الحكومة الوطنية والحكومات الجهوية غير الموجودة كذلك.

وتداخل الإشكال الجهوي مع حقيقة تركز جزء من الموارد الطبيعية كالنفط في مناطق برقة وفزان، بالإضافة إلى عجز النظام المركزي عن تحقيق عدالة في توزيع عوائد بيع الموارد الطبيعية لجهة هيمنة منظومة حكم ريعية تسيطر فيه الحكومة المركزية حتى على القطاع الخاص.

لكن من المهم التنبه إلى أن المحرك الجهوي أساسه خلافات الهويات المحلية وليس فقط نتيجة غياب العدالة في توزيع عوائد الموارد الطبيعية بسبب مركزية القرار وطبيعة نظام الحكم الذي لم تتغير مركزيته حتى بعد 17 فبراير وصدور قانون الحكم المحلي رقم 59 لسنة 2012؛ إذ منح القانون وزير الحكم المحلي سلطات واسعة على المجالس البلدية المنتخبة، ناهيك عن عدم تمثل البعد الهوياتي سواء الجهوي أو الإثني في القانون.

***

اسماعيل القريتلي ـ كاتب ليبي

____________

الجزيرة