Minbar Libya

بقلم زاهي المغيربي و نجيب الحصادي

نقف في هذه الورقة على الأطر النظرية المقترحة في أدبيات العلوم السياسية لتحليل عملية التحول الديمقراطي، كي نستعين بها في تشخيص التحديات التي تواجه هذه العملية في ليبيا، ثم نعرض مآلات قد يفضي إليها الفشل في إتمامها، وفرصا متاحة للحول دون فشلها، ونختتم بمحاولة تفسير تأخر الليبيين عن جيرانهم في طي صفحتهم الانتقالية.

.الجزء الخامس

العوامل الاجتماعية المفرقة .. تتمة

  ـ التطرف الديني

في ظل الانفلات الأمني، تفقد الحياة معناها. ولأن من لا يجد معنى لحياته قد يلتمس معنى لموته، المعنوي أو الجسدي، قد تجد أحاسيس الإحباط ومشاعر القنوط التي تثيرها القلاقل الأمنية سبلا في إشباعها عبر ممارسات هروبية ليس أقلها الانكفاء على الذات، وتعاطي المخدرات، والهجرة إلى خارج البلاد. وتبني أيديولوجيات العنف.

وقد شغلت موضوعة التطرف الديني حيزاً كبيراً في المشهد السياسي الليبي منذ بداية الثورة، حيث عبرت الدول الغربية عن قلقها من سيطرة ما أسمته التطرف الإسلامي على مسار الأحداث في ليبيا.

وكان هذا القلق من ضمن العوامل الرئيسة التي جعلت الدول الغربية تتلكأ في الاعتراف بالمجلس الانتقالي ممثلاً شرعياً للشعب الليبي، فيما استغل نظام القذافي هذه القضية لتأجيج المخاوف الغربية عبر مزاعمه عن تغلغل القاعدة بين قوات الثوار.

وكانت الجماعات الجهادية في الجبل الأخضر قد أقضت مضجع النظام في منتصف التسعينيات، فتعامل معها بعنف، فيما وجدت في تلك المنطقة حاضنة وتعاطفا شعبيا. وفي مذبحة أبوسليم أعدم النظام كثيرا منهم، ما أوغر صدور رفاقهم وجعلهم يتحينون فرصة الانتقام.

لكن هذه الجماعات سرعان ما فقدت التعاطف الشعبي معها، خصوصا بعد أن بدأت تفصح عن رفضها لفكرة الدولة. ولأن الشعب الليبي متجانس دينيا أكثر من أي دولة عربية أخرى، ومعظم الليبيين يتبعون المذهب المالكي الذي يتسم بالاعتدال والتسامح، يتوقع أن تفشل المنظمات الدينية المتطرفة في استقطاب أعداد تكفي لفرض سيطرتها على البلاد، أو حتى سيطرتها على مناطق واسعة منها لفترة طويلة.

غير أن مآل الوعي السياسي الشائه أن يفصح عن نفسه، فثمة تضارب بين توجهات الليبيين تجاه العملية الديمقراطية من جانب، وتصوراتهم حول دور الدين من جانب آخر.

ففي حين يؤيد الليبيون مبادئ التعددية السياسية والثقافية والحريات والحقوق الفردية والمساواة أمام القانون، ويختلف 77.7% منهم مع مقولة أن الديمقراطية تتعارض مع الإسلام، يؤيد 43.3% من الليبيين حظر حرية ممارسة الشعائر الدينية غير الإسلامية،

ويشير 31.3% إلى ضرورة الحظر الكامل على حرية الاعتقاد الديني، فيما يرى 32.7% أنه لا تمييز ولا فرقا بين الدين والسياسة، كما أن 84.2% من الليبيين يوافقون على اعتبار الفوائد المصرفية معاملات ربوية يجب منعها.

ويظهر تضارب الآراء بصورة جلية عند تحليل توجهات الليبيين حول المرأة ودورها في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ففي حين يتفق 76.1% من الليبيين مع المساواة في فرص العمل بين النساء والرجال، ويوافق سبعة من كل عشرة (68.4%) على أن تصبح المرأة وزيرا، و68.9% على تولي المرأة منصبا قضائيا، فإن 63.6% من الليبيين يرفضون أن تصبح المرأة رئيسا للدولة، ويرى سبعة من كل عشرة منهم (73.3%) أن الرجال أفضل من النساء في القيادة السياسية.

كذلك، فإن ثمانية من كل عشرة ليبيين (81.4%) يختلفون مع حق المرأة في السفر بمفردها خارج البلاد، وينكر نصف الليبيين (49.8%) شرط موافقة الزوجة الأولى للسماح للزوج بالزواج عليها. وكل هذا إنما يعني أن الوعي الديني يعاني من التشوش والارتباك، ولعل كثرة المصادر التي تزعم أحقيتها في التشريع الديني من أهم أسباب هذا النوع من الاختلالات، ولا يبدو أن شيئا أقل من تجديد الخطاب الديني قادر على معالجة هذا الأمر.

ونلحظ في هذا السياق أن كثيراً من أسباب التطرف لا ترجع إلى هيمنة رؤية إيديولوجية معينة، بل مدارها عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية والسياسات الإقصائية والقمعية التي اتبعها نظام القذافي.

إن معظم الشباب الذين كانوا نشطين ضمن الجماعات الإسلامية الليبية المقاتلة لم تتح لهم إمكانية المشاركة الحقيقية والفعالة في الحياة السياسية، ولم تتح لهم فرص العمل والتوظيف والمشاركة في النشاط الاقتصادي، وقد أدى ذلك إلى هيمنة الشعور بالإقصاء والتهميش.

ولذا فإن وجود نظام ديمقراطي تعددي يمنح فرص المشاركة المتساوية للجميع، ويوفر فرص العمل، ويضع السياسات الاجتماعية التي تشمل الكل دون إقصاء، سوف يزيل الكثير من العوامل التي تدفع للتطرف والتشدد والعنف.

هـ ـ هشاشة المجتمع المدني

تتفق معظم الأدبيات المهتمة بالديمقراطية على أن وجود مجتمع مدني قوي من العوامل الداعمة للنظام الديمقراطي. ويمثل انضمام المواطنين لشبكات ومنظمات المجتمع المدني والمشاركة في نشاطاتها أحد أهم المؤشرات الدالة على قوة المجتمع المدني وحيويته. غير أن المجتمع المدني في ليبيا يعاني من الكثير من الاختلالات، وسوف نعنى باثنين منها، هيمنة الدولة والتبعية التمويلية.

ـ هيمنة الدولة

وقد ظهرت مجموعة من النماذج النظرية والأطر التحليلية التى حاولت تفسير أنماط التفاعل بين منظمات المجتمع المدني والدولة، ومن أهمها النموذج التعاضدي أو الكوربورتاري. ووفقا للتعريف الذي يقترحه فيليب شميتر، فإن الكوربورتارية “نظام لتنظيم المصالح يتم فيه تنظيم مكوناته ضمن عدد محدود من الفئات الإلزامية وغير التنافسية والهيراركية والمتمايزة وظيفيا، تعترف بها الدولة، وتعطيها تصريحا بالعمل، أو تخلقها أصلا، وتمنحها احتكارا فى تمثيل فئاتها مقابل التزامها بضوابط معينة فى عملية اختيار قياداتها، وفي توضيح مصالحها والتعبير عنها، وفي تأييدها”.

ويميز شميتر بين نوعين من العلاقات الكوربورتارية تكون فيها منظمات المجتمع المدني متشابهة من حيث البنية ولكنها مختلفة من حيث علاقاتها مع الدولة: “الكوربورتاية المجتمعية” في نظم الديمقراطيات التعددية، حيث تستقل الجماعات نسبيا عن سيطرة الدولة ويكون لها نفوذ قوى على عملية صنع السياسات العامة؛ و”كوربورتارية الدولة”، حيث تخضع الجماعات لسيطرة الدولة ويتغلغلها الجهاز البيروقراطي الرسمي والتنظيم الحزبي الحكومي المسيطر. وتقترب أنماط التفاعل بين منظمات المجتمع المدني والدولة في ليبيا النظام السابق من نموذج “كوربورتارية الدولة”، يشهد على ذلك أن:

الأحزاب السياسية محظورة منذ السنوات الأولى للنظام السابق، وقد اعتبر القانون تكوين الأحزاب السياسية جريمة ضد الثورة والشعب عقوبتها الإعدام.

النقابات والاتحادات والروابط المهنية في ليبيا غير تنافسية وإلزامية وهيراركية.
النقابات والاتحادات والروابط المهنية والجمعيات التطوعية الأهلية تُنشأ وتنظم ويعاد تنظيمها وحلها بقرارات ولوائح وقوانين رسمية.

كل نقابة أو اتحاد مهني يحتكر عملية تمثيل المصالح المختلفة ضمن فئته.

لا تمثل منظمات المجتمع المدني مجالاً مستقلاً ومنفصلاً عن الدولة، بل هي متضمنة في البنية التنظيمية الرسمية، وتعتبر جزءاً من آليات النظام السياسي في ليبيا.

والمجتمع المدني الليبي، الذي غاب لعقود ثم ظهر فجأة عقب ثورة فبراير، سرعان ما غاب ثانية، بل إن عددا لا يستهان به من قياداته الفاعلة إما تعرض للاغتيال أو الخطف أو اضطر إلى الهجرة. ورغم ارتفاع نسبة الشباب بين السكان، وبروز مشاركتهم في الحياة السياسية عبر المجتمع المدني الناشئ، فإن تدني مستوى المعرفة والمهارات وانعدام الخبرة تجعل منظمات الشباب أقل قدرة وفاعلية وأقل تعبيرا عن تيارات سياسية، كما أنها لا تعكس انشغالات الشباب أنفسهم.

ـ التبعية التمويلية

من جانب آخر، فإن استقلالية منظمات المجتمع المدني، بما في ذلك الاستقلالية التمويلية، عنصر مؤثر في فاعلية هذه المنظمات وقدرتها على القيام بدور إيجابي في العملية السياسية. ولكي تكتسب منظمات المجتمع المدني في ليبيا شرعيتها ومصداقيتها وفاعليتها، يجب أن تستقل تنظيمياً وتمويلياً عن الدولة. غير أن المعضلة تتمثل في أن العقود الطويلة من خضوع هذه المنظمات لهيمنة الدولة واعتمادها شبه الكامل على تمويل الخزينة العامة، صعّب من تأمين تمويل نشاطاتها من مصادر ذاتية ومستقلة.

وإذا توفرت القناعة بأن وجود مجتمع مدني مستقل وقوي ضروري لتعزيز الديمقراطية وتوسيع المشاركة السياسية، وأن قوة المجتمع المدني من قوة الدولة، وإذا ساد الإدراك بأن الدولة الليبية، بوصفها المالك الوحيد للموارد الاقتصادية الرئيسة، تتحمل مسؤولية توفير البنية الأساسية من تعليم وصحة وأمن ورفاه اقتصادي، فإنه يصبح لزاماً عليها، شرعياً وأخلاقياً، أن تصدر تشريعات تسهل من حصول منظمات المجتمع المدني على موارد مالية، حتى تتمكن من المشاركة في تنمية المجتمع الليبي وضمان ديمقراطية وشفافية العملية السياسية.

وسوف يكون في انتظار المجتمع المدني مهام تشمل دوره في تعزيز مفاهيم المواطنة والحقوق والواجبات، وترسيخ مشاعر الهوية والانتماء، وتنمية وعي يسمح بخلق ثقافة تتأسس على قيم الاختلاف والشفافية ومشاركة المواطن في ضمان أمنه وأمن مجتمعه وتبني قيم حقوق الإنسان والحريات العامة.

غير أن الطريق لا يزال طويلا أمام بناء مجتمع مدني قوي وداعم للديمقراطية، ليس في ليبيا فحسب بل في كل بلدان الربيع العربي. فكما تشير بيانات “المسح العالمي للقيم” فإن أغلبية ساحقة من المواطنين في هذه البلدان، تتراوح ما بين 80-99 %، ليسوا أعضاء في أي من المنظمات المدنية، بغض النظر عن طبيعة نشاطها سواء كانت دينية أم رياضية أم ثقافية أم ترفيهية أم بيئية أم نقابية أم سياسية.

يتبع في الجزء التالي بدءً بـ ( الفشل في التوافق حول قواعد اللعبة السياسية والسياسات العامة)

***

محمد زاهي المغيربي ـ أستاذ العلوم السياسية ـ جامعة بنغازي

نجيب الحصادي ـ أكاديمي ومترجم ليبي، له العديد من المؤلفات، أستاذ في جامعة بنغازي

_____________

المنظمة الليبية للسياسات والاستراتيجيات