Minbar Libya

بقلم أنور الجمعاوي

أيّاما معدودة قبل انعقاد مؤتمر غدامس الذي كان يُفترض أن تنظمه الأمم المتحدة (14 إبريل/ نيسان 2019)، ليجمع الفرقاء الليبيين لأجل التوصّل لحلّ شامل للأزمة في بلدهم،

جمع اللواء المتقاعد خليفة حفتر ماله، ورجاله، وعتاده، وإعلامه، وشنّ حربا شعواء على العاصمة طرابلس (4 إبريل/ نيسان 2019)، معلنا انطلاق عملية الفتح المبين، واعدا بدحر المليشيات، وتقويض حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا، وإعادة بناء النظام الشمولي/ العسكري في ظرف أيّام.

وبعد مضيّ عام على ذلك الهجوم المسلّح المباغت، لم تتمكّن قوات حفتر من تحقيق أهدافها المعلنة، وتعثّرت على تخوم طرابلس، وتكبّدت خسائر جسيمة في العدّة والعتاد.

والسؤال المركزي: لماذا أخفق حفتر وأعوانه في كسب معركة طرابلس، والحال أنّ قوّاته مدجّجة بالمال، والإعلام، والسلاح؟

عوامل ذاتيّة وموضوعيّة متداخلة أدّت إلى تعثّر مشروع حفتر للسيطرة على طرابلس.

على الصعيد الذاتي، يبدو أنّ قائد عملية الفتح المبين ومستشاريه أساءوا تقدير موازين القوى في العاصمة، وذهب في ظنّهم أنّ في وسعهم دخول المدينة في 48 ساعة، وقدّروا أنّ حكومة الوفاق الوطني ضعيفة، وأنّ الكتائب الثورية في طرابلس غير موحّدة، ويُمكن اختراقها.

وظنّوا أنّ بالإمكان التعويل على خلايا نائمة في المدينة، لتقويض السلم الاجتماعي وتأليب المواطنين على الحكومة.

واعتمد حفتر وأتباعه في ذلك استراتيجيات التهويل الإعلامي، وترويج انتصارات وهمية، والقيام بضربات جويّة ومدفعية خاطفة، استهدفت مواقع مدنية وعسكرية بغاية إرباك خصومه.

ولم تصح تلك التقديرات الافتراضية لحفتر وأنصاره، فقد واجهوا مقاومة عتيّة، صلبة من الثوار الذين رصّوا صفوفهم وتجاوزوا خلافاتهم واتحدوا ضدّ الخطر الداهم.

وتمكّنت الأجهزة الاستخبارية التابعة لوزارة الداخلية من تحييد خلايا موالية لحفتر في وقت قياسي، ونجحت حكومة الوفاق الوطني، ولو نسبيّا، في تلبية حاجات المواطنين، وتحشيدهم ضدّ مشروع عسكرة الدولة.

ويبدو أنّ حفتر أخذته العزّة بالنفس بسبب امتداده في درنة، وانتشار قوّاته في الجنوب وفي منابع الهلال النفطي، فاستسهل اقتحام طرابلس، وقاسها على تلك المناطق، وهو قياس غير صائب.

فليس في تلك المناطق ثقل سكّاني كبير، ولا توجد فيها قوّات قتالية معتبرة تابعة لحكومة الوفاق، بل تسيّرها في الغالب مجالس بلدية مدنية.

ودخل حفتر معظمها من دون قتال، بل من خلال تسوياتٍ مشبوهة مع بعض شيوخ القبائل وقادة المليشيات.

أمّا طرابلس فوضعها مختلف، فهي مركز ثقل سياسي، ومؤسّسي، واقتصادي، وديبلوماسي، وفيها أكبر عدد من سكّان البلاد.

وهي ذات قيمة رمزية باعتبارها عاصمة تاريخية، وهي إلى ذلك قلعة الثورة وعنوان المقاومة الشعبية ضدّ النّظام الشمولي. وتتمركز فيها كتائب ثورية وازنة ذات جاهزية قتالية عالية (لواء ثوار طرابلس، وكتيبة الدعم السريع، وقوة الردع الخاصة، ولواء النواصي)، ولذلك عزّ على أعوان حفتر دخولها.

وفي مستوى قراءة البنية الذاتية لقوّات الفتح المبين، يتبيّن الدارس أنّها غير متجانسة من جهة العناصر المكوّنة لها، فهي تشتمل على موالين للقذافي، ومنحدرين من قبائل الشرق، ومنتمين إلى التيار السلفي المتشدّد، وتضمّ مقاتلين مرتزقة من السودان، ومصر، وسورية، وروسيا.

وهؤلاء ليسوا على قلب رجل واحد، ولا تجمعهم عقيدة نضالية، راسخة، وليست لدى معظمهم خبرة قتالية ميدانية عالية. بل توجّههم في الغالب مآرب نفعية، ذاتية، ظرفية.

ولذلك تراهم ينسحبون سريعا عند احتدام القتال، أو يسلّمون أنفسهم لقوّات بركان الغضبالموالية لحكومة الوفاق الوطني بقيادة فايز السراج. وجلّت ذلك بوضوح معارك الزاوية، وغريان، وقاعدة الوطية.

ومن المفيد الإشارة أيضا إلى أنّ الأداء الإعلامي لعملية الفتح المبين لم يكن موفّقا، بل كان نمطيّا، باهتا، غلب عليه الرأي الواحد، والمديح والتمجيد للجنرال وأعوانه، والتعتيم على الخسائر التي تكبّدها أنصار حفتر، وفبركة تبريرات واهية للفشل في دخول طرابلس.

وخلّف تمرير تصريحات لقيادات في عملية الفتح المبين، تتعلّق بترجيح الحسم العسكري على الحل السياسي، والاحتكام إلى الرصاص بدل الحوار، وتمرير مشاهد للتنكيل بأسرى من جيش حكومة الوفاق موجة استياء واسعة لدى معظم الليبيين والرأي العام الدولي. وأدّى ذلك عمليّا إلى انحسار عدد المؤيّدين للحرب على طرابلس داخل معسكر حفتر ذاته.
وموضوعيّا، يمكن تفسير فشل كتائب حفتر في التقدّم نحو أسوار طرابلس بأسبابٍ، أهمّها أنّها وجدت نفسها في مواجهة قوى ثورية مسلّحة، تتميّز بوحدة الصف، ورباطة الجأش، والاستماتة في القتال

فإلى جانب كتائب ثوار العاصمة، انضمّ إلى جبهة الدفاع عن طرابلس ثوّار مصراتة وقوّات البنيان المرصوص التي خبرت ميادين القتال وحرب الشوارع عند المواجهة مع أتباع القذافي، وتمكّنت لاحقا من دحر مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) من مدينة سرت بعد معارك دامية.

وأصبحت هذه القوّات، على التدريج، تشكّل نواة صلبة للجيش التابع لحكومة الوفاق الوطني، وتنتظم ضمن هياكل مؤسسية مخصوصة، وتخضع لتدريبات احترافية مكثفة.

وتحدوها عقيدة قتالية جامعة، قوامها ضرورة الدفاع عن الثورة في مواجهة العسكرة، والانتصار إلى الدولة المدنية في مواجهة مشروع استعادة الدولة الشمولية.

والمنتمون إلى هذه القوّات، إذ يدافعون عن طرابلس، يرون أنفسهم يدافعون عن قضيّة عادلة، عن حقّهم في أن يعيشوا بأمان وكرامة وحرّية.

ويعتقدون أنّهم في موقع دفاع عن النفس، محتجّين بأنّ خليفة حفتر بادر بالعدوان، وفرض عليهم حربا لم يختاروها، وهم يستبسلون في الدفاع عن حياض العاصمة، لأنّها عنوان الثورة، ومركز السيادة، وقوام الشرعية من وجهة نظرهم.

ومعلوم أنّ قوّة الوازع الأخلاقي/ العقدي تصنع، إلى درجةٍ ما، الفارق في المواجهات العسكرية. وفي سياق متصل، بدا واضحا، بعد عام من هذه المعركة ، أنّ سكان العاصمة الليبية وضواحيها لم يسعدوا لحملة حفتر على مدينتهم، ولم يستقبلوا قواته بالورود والتصفيق.

بل نزلوا إلى الشوارع، رافعين رايات مدنية لا عسكرية، ارحل، لا سبيل لعودة الدكتاتورية“.

ودلّ ذلك على أنّ حفتر وأعوانه ليست لهم حاضنة شعبية داخل العاصمة. وتزايد نفور الناس منهم بارتكاب جماعات الفتح المبين انتهاكاتٍ ضدّ المدنيين، مثل قطع الماء والكهرباء والنفط على سكان طرابلس، وقصف مواقع مدنية كمطار معيتيقة الدولي، والميناء، ومدارس ومستشفيات وأحياء سكنية.

ونجحت الآلة الإعلامية الموالية لعملية بركان الغضب في كشف مخططات معسكر حفتر وأغراضه وإخفاقاته وانتهاكاته، على نحو ساهم في تأليف الأهالي حول مشروع الدولة المدنية/ الديمقراطية.

كما أدّى طول المعركة على تخوم طرابلس إلى استنزاف كتائب حفتر، وتراجع وتيرة الدعم الداخلي والخارجي له بسبب محدودية الأداء الميداني لحملته، وعجزها عن تحقيق أهدافها المعلنة، وفي مقدّمتها الوعد بحسم المعركة عسكريا في وقت قياسي.

وكان لإبرام تركيا اتفاقيتي تفاهم للتعاون الأمني والعسكري مع حكومة الوفاق الوطني أثر في تعزيز القدرات الدفاعية والهجومية لقوّات بركان الغضبالتي استعادت زمام المبادرة العسكرية، وتمكّنت أخيرا من تأمين أجواء طرابلس، وإحراز تقدّمات ميدانية معتبرة على حساب معسكر حفتر، خصوصا مع انطلاق عملية عاصفة السلام” (26 مارس/ آذار2020) التي أدّت إلى مقتل 188عنصرا من كتائب الفتح المبين في ظرف أسبوع في محاور بوقرين، والوطية، وسرت.
ختاما،

بعد عام من المعارك الدامية على تخوم طرابلس، بدا واضحا أنّ الحلّ العسكري للأزمة الليبية محال، وأنّ الخاسر الأكبر هو المجتمع الليبي عموما، والمدنيون خصوصا الذين عانوا ويلات النزوح، والتهجير، والقصف العشوائي، وقلّة السيولة، وانعدام اليقين.

لذلك أحرى بالقوّات التي تهاجم العاصمة أن تعود من حيث أتت، وأحرى بالفرقاء الليبيين إحياء مشروع ملتقى غدامس لبلورة مصالحة بينية مستدامة.

وبإمكان قوى دولية وازنة لم تتورّط مباشرة في الأزمة الليبية (أميركا، بريطانيا، ألمانيا، السويد، النرويج…) وتحظى باحترام الأطراف المتنازعة أن تدفع الجميع إلى الاحتكام إلى لغة السلام والحوار، لأجل حقن دماء الليبيين، والتوجه إلى بناء دولة مدنية، تعدّدية، جامعة.

***

أنور الجمعاوي ـ أستاذ وباحث جامعي تونسي، فاز بالجائزة العربيّة للعلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة لتشجيع البحث العلمي (فئة الشباب) من المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. له عدة أبحاث وكتب.

__________