Minbar Libya

بقلم أنيس العرقوبي

باتت أسوار العاصمة طرابلس عصية أكثر من أي وقت مضى على اللواء المتقاعد خليفة الذي حاول لنحو عام اقتحامها وإسقاط حكومة الوفاق المعترف بها دوليًا.

.الجزء الثاني

باريس بدورها، وضعت مسافة فاصلة مع ما يحدث على الأرض في ليبيا في ظل التطورات الحاصلة وبدا خطابها الرسمي أكثر اتزانًا وتماهيًا مع الموقف الأوروبي عامة الذي يميل إلى الحل السلمي، ومن خلال تصريحات وزير خارجيتها جون إيف لودريان الأخيرة الذي أظهر توجس الإيليزيه من تحركات موسكو وتخوفاتها من إعادة السيناريو السوري في شمال إفريقيا (سورنة ليبيا).

فإن فرنسا أعطت رسائل ضمنية بأنها لن تفسح المجال لروسيا للبقاء في ليبيا وتركيز قواعد عسكرية تحول دون تحقيق مكاسب اقتصادية كالاستثمارات واستغلال النفط وأمنها الإستراتيجي المتمثل في الحرب ضد الإرهاب ومكافحة الهجرة غير الشرعية.

وطالب المسؤول الفرنسي أمام لجنة الشؤون الخارجية والدفاع في مجلس الشيوخ الفرنسي، باحترام اتفاق برلين المبرم في يناير/كانون الثاني الذي ينص على العودة إلى وقف إطلاق النار واستئناف العملية السياسية، قائلًا: “يكفي تنفيذ الاتفاق، ومن ثم احترام حظر الأسلحة المفروض على ليبيا، وبعدها انسحاب القوات الأجنبية من هذا البلد“.

الخطوات المتسارعة إلى الخلف قصد تهدئة التوتر ومنع أي تصعيد قد يخرج الوضع عن دائرة السيطرة ويطال دول أخرى أقل تأثيرًا في الملف الليبي، فألمانيا التي رعت مؤتمرًا دوليًا لحل الأزمة الليبية وظلت قراراتها حبرًا على ورق وعجزت في وقت سابق عن توجيه أي انتقاد إلى روسيا وفرنسا والإمارات، تجد نفسها في إحراج بسبب استخدام قوات اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر شاحنات ألمانية من صنع شركة الدفاعات العسكرية الألمانية راينميتال، كمنصات لصواريخ بانتسير الروسية المضادة للطائرات، قادمة من الإمارات.

وهو ما دفع بالمستشارة أنجيلا ميركل إلى فتح تحقيق في الغرض وتجديد دعوتها لوقف إطلاق النار في ليبيا، واستئناف المحادثات السياسية من أجل التوصل إلى تسوية.

واشنطن على الخط

الولايات المتحدة هي الأخرى تسير نحو التخلص من سياسة الصمت التي اتبعتها سابقًا وترجمها بعض المراقبين على أنها قبول ضمني بتصعيد حفتر العسكري، وذلك من خلال تغير الموقف الرسمي عقب التطورات الأخيرة، حيث اعتبرت وزارة الخارجية الأمريكية أن الأنشطة الروسية المزعزعة للاستقرار في ليبيا واضحة للعيان.

وأن المجتمع الدولي والشعب الليبي لن يصدقا ادعاء روسيا بأن مرتزقتها لا علاقة لهم بأجندتها في ليبيا، مشددة على أنها ستعمل مع حكومة الوفاق الوطني وجميع الأطراف الجاهزة لإلقاء السلاح والتفاوض على حل سياسي، محذرة من تكرار تجربة سوريا في ليبيا.

وكان السفير الأمريكي لدى ليبيا ريتشارد نورلاند، قد أكد في وقت سابقٍ أن بلاده تفخر بالشراكة مع الحكومة الشرعية والمعترف بها من الأمم المتحدة في ليبيا، ومع كل أولئك الذين هم على استعداد لحماية الحرية والسلام، معتبرًا أن هناك قوى تسعى لفرض نظام سياسي جديد في ليبيا بالوسائل العسكرية أو الإرهاب، في إشارة إلى قوات اللواء المتقاعد.

ورغم أن مواقف الولايات المتحدة تجاه ليبيا في العادة متقلبة وغامضة وتفتقر إلى منطق واضح وتتدخل في صياغتها شركات علاقات عامة تمول من طرفَي النزاع والداعمين الخارجيين، ما يصعب استقراء تطوراتها، فإن بياناتها الأخيرة توضح بشكل جلي أن واشنطن تراقب عن كثب التطورات الأخيرة ومسار العمليات العسكرية والتحشيد وتتخوف من إقدام موسكو على تركيز قاعدة في ليبيا والبقاء فيها.

القوات الجوية الأمريكية راقبت مسار الطائرات المقاتلة الروسية الصنع عن كثب، وأعلنت الأفريكوم أن هذه الطائرات (14 طائرة ميغ) “يرجح أن توفر الدعم لقوات (فاغنر) التي تدعم قوات حفتر ضد حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليًا.

وأكدت في بيان أن الطائرات توقفت في طريقها من روسيا إلى ليبيا، في سوريا، حيث جرت إعادة طلائها لتمويه أصلها الروسي، واعتبرت القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا على لسان رئيسها ستيفن تاونسند، أن الروس يكررون ما قاموا به في سوريا، فهم يوسعون وجودهم العسكري في إفريقيا، باستخدام مرتزقة مدعومين حكوميًا، مثل فاغنر“.

مضيفًا العالم سمع أن السيد خليفة حفتر على وشك إطلاق حملة جوية جديدة، سيكون طيارون من المرتزقة الروس على متن الطائرات التي وفرتها روسيا، لقصف الليبيين“.

التقارير الأمريكية عن تحركات روسيا الميدانية وحشدها لعمليات عسكرية واسعة، دفعت الأمم المتحدة، إلى التعبير عن قلقها البالغإزاء الأنباء الواردة من ليبيا بشأن تدفق هائل للأسلحة والمعدات والمرتزقةعلى طرفي النزاع الدائر في هذا البلد، مناشدة الدول احترام الحظر الأممي المفروض على إرسال أسلحة إلى الدولة الغارقة في حرب أهلية طاحنة.

تركيا تقلب المعادلة

من جانبه قال الصحافي الليبي عصام الزبير في حديث لـنون بوستإن الوضع الميداني اختلف منذ الاتفاقية الليبية التركية، فقبل تلك الفترة كانت السماء مستباحة من الطيران الإماراتي والمصري الداعم لحفتر، كان الأخير يقصف مطار معيتيقة والمناطق السكنية.

ولكن بعد أن دخلت الاتفاقية العسكرية حيز التنفيذ تمكنت قوات الوفاق من خلال التقنيات الحديثة القادمة من أنقرة (الطيران المسير) من قلب موازين القوى ولم تشهد العاصمة أو مدينة مصراتة طيلة 3 أشهر أي قصف جوي، بل أصبحت قوات الوفاق المعترف بها دوليًا سباقة في استهداف المليشيات المعادية وتمركزاتها وكذلك أرتال الدعم ومؤخرًا قاعدة الوطية.

وكانت لطائرات Bayraktar TB2 فعالية قتالية غيرت موازين القوى في الحرب الدائرة على أسوار العاصمة طرابلس، ويملك الجيش التركي نحو 100 طائرة مسيرة من هذا الطراز قادرة على الطيران على ارتفاع أكثر من 7000 متر لمدة 24 ساعة، بحمولة تزيد على 50 كيلوغرامًا.

وأوضح الزبير أن التدخل التركي في مواجهة الدعم الروسي الإماراتي لحفتر، مكن حكومة الوفاق من السيطرة على مساحات جديدة، كما ساعد الثوار على إضفاء الشرعية على حكومة الوفاق من خلال الجغرافيا العسكرية وتفعيل الأمن وأجهزة الدولة بعد أن كانت تلك المناطق تابعة لحكومة عبد الله الثني ومقرها مدينة البيضاء.

وأضاف المحلل السياسي الليبي أن الضربات العسكرية القاتلة التي يتلقاها حفتر تباعًا أظهرت أن المشروع الإماراتي في ليبيا في طريقه إلى الفشل وأن رهان كل من السعودية ومصر وفرنسا وكذلك إيطاليا التي التحقت مؤخرًا بالركب وكانت ترسل وفودها إلى الرجمة (مقر حفتر) خوفًا على استثماراتها النفطية كحقل الفيل وصمامات الغاز الممتدة بين الجنوب والغرب وصولًا إلى الزاوية، قد خاب بصورة جلية إثر هزيمة الوطية.

مضيفًا أن خروج أكثر من 3 الاف مرتزق روسي وسوري وأردني ومصري بحسب التقارير التي أشارت إلى مغادرة 10 طائرات من مطار بني وليد، شكل ضربة قاسمة لمشروع عسكرة ليبيا، مؤكدًا أن حفتر بات معزولًا بسبب انسحاب بعض القوى القبلية التي كانت تدعمه سواء في الشرق أو في الغرب الليبي.

بالمجمل، يمكن القول إن التطورات العسكرية الأخيرة غربي العاصمة طرابلس ليبيا قد تساهم في دفع القوى الدولية إلى الميل نحو خيار التسوية السياسية، وهي خطوة لا يُمكن احتسابها على أنها رضوخ للقرارات الأممية وللشرعية الدولية، وإنما ضرورة فرضها انحسار حلول القوة والحسم العسكري خاصة بعد فشل رهان محور الثورة المضادة على خليفة حفتر، وبالتالي بات من الواضح أيضًا أن اللواء لم يعد رجل المرحلة القادر على توحيد ليبيا، كما سوّق له داعموه.

***

أنيس العرقوبي ـ محرر في نون بوست

_________