
تمكنت فصائل المعارضة السورية المسلحة من إسقاط الأسد في ظرف وجيز، وباتت تواجه عدة تحديات رئيسية: استعادة وحدة البلد، وبناء نظام سياسي يستند لقاعدة شعبية عريضة، وبناء مؤسسة دفاعية قادرة على بسط الأمن.
لكن تحقيق هذه الأهداف يجري في سياق نزاع خارجي شديد على التحكم في العملية الانتقالية.
بدأ تحالف قوى المعارضة المسلحة في المنطقة المحررة من محافظة إدلب سلسلة من العمليات، فجر 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024.
مع الساعات الأولى من صباح 8 ديسمبر/كانون الأول، أُعلن في دمشق عن سقوط نظام أسرة الأسد وهروب بشار الأسد وأعوانه وحاشيته من العاصمة، دمشق، إلى عدد من الجهات.
التوقعات بأن تواجه قوى المعارضة معركة مريرة للسيطرة على حلب، عاصمة الشمال السوري وثاني أكبر مدن سوريا، لم تتحقق، بعد أن انهارت مقاومة جيش النظام خلال ما لا يزيد عن يومين من القتال، الذي انحصر في مواقع معدودة.
وعندما قررت قوات المعارضة الاندفاع جنوبًا، نحو حماة وحمص ودمشق، كان من المتوقع أن تشهد حمص، على الأقل، قتالًا طاحنًا، نظرًا لأهمية المدينة الإستراتيجية وحجم الحشد الذي نظمته وزارة دفاع نظام الأسد.
ولكن، وما أن أدرك الضباط والجنود المكلفون بحماية حمص أن مجموعات مسلحة من المعارضة قد أخذت بالفعل في دخول أحياء دمشق الغربية والجنوبية حتى انهارت معنوياتهم بصورة مذهلة وغادروا مواقعهم تاركين خلفهم سلاحهم ومعداتهم.
حُرِّرت مدينة حمص، بعد اشتباكات محدودة في ريفها الشمالي، بدون قتال يُذكر.
وقد بدأت قوات المعارضة المسلحة الدخول إلى مركز حمص، المدينة التي عُرفت بعاصمة الثورة في سنوات الانتفاضة الشعبية الأولى، مساء 7 ديسمبر/كانون الأول، وفي الساعات الأولى من 8 ديسمبر/كانون الأول.
في الوقت نفسه، كانت عناصر المعارضة المسلحة قد أخذت في الانتشار في العاصمة السورية، ومعها أعداد من الصحفيين الذين رافقوا اندفاعتها من الشمال وعملوا على نقل أول مظاهر احتفال السوريين بحريتهم في ساحتي الأمويين والعباسيين.
بعد ظهر اليوم، دخل أحمد الشرع، القائد العام لإدارة عمليات المعارضة، العاصمة، دمشق؛ وذكر أنه أجرى اتصالًا برئيس حكومة النظام، محمد الجلالي، وطلب منه البقاء في منصبه إلى حين الاتفاق على حكومة تتسلم منه مقاليد الحكم خلال المرحلة الانتقالية الأولى، الحكم المركزي والحكم المحلي على السواء.
في اليوم التالي، 9 ديسمبر/كانون الأول، جرى اجتماع بين الشرع والجلالي، بحضور المهندس محمد البشير، الذي كان يقود حكومة الإنقاذ الوطني في إدلب المحررة منذ 2022.
والمؤكد أن الشرع أخبر الجلالي أن البشير سيتسلم رئاسة حكومة تسيير الأعمال الجديدة، معربًا عن أمله بتعاون وزراء الجلالي مع وزراء الحكومة المقبلة في نقل السلطة.
وقد بدأت حكومة الجلالي بالفعل في تسليم ملفاتها إلى حكومة البشير في اليوم التالي، 10 ديسمبر/كانون الأول.
وقد أكد الناطق باسم الهيئة السياسية لعملية “رد العدوان“، كما البشير نفسه، أن حكومة تسيير الأعمال ستدير شؤون الدولة السورية لفترة لا تزيد عن ثلاثة أشهر.
كيف حققت قوى المعارضة المسلحة هذا الانتصار السريع على أحد أشد أنظمة العالم شراسة وبطشًا، النظام الذي أخفقت المعارضة في إسقاطه طوال ثلاثة عشر عامًا من الثورة؟
ولماذا وجد النظام الأسدي نفسه وحيدًا خلال أيام المواجهة العشرة، وهو الذي تمتع بدعم لا حدود له من إيران وروسيا والفصائل المسلحة الموالية لإيران من كل صنف منذ اندلاع الثورة السورية في ربيع 2011؟
وأية تحديات بات على المنتصرين التعامل معها لتحقيق وعودهم في إعادة بناء الدولة السورية وقيادتها نحو الاستقرار والتنمية؟
من ردع العدوان إلى إسقاط النظام
تتشكل غرفة العمليات، التي قامت بإطلاق العملية الخاطفة التي انتهت بسقوط نظام الأسد، من عدة مجموعات مسلحة من المعارضة السورية كانت اتخذت من إدلب المحررة مركزًا لها.
وتعتبر هيئة تحرير الشام القوة الرئيسة في تحالف القوى المعارضة، وتسلم قائد الهيئة، أحمد الشرع، مسؤولية قيادة إدارة العمليات والقيادة الفعلية للتحالف.
تعود هيئة تحرير الشام في جذورها إلى جبهة النصرة، التي ارتبطت بالقاعدة في سنوات وجودها الأولى في سوريا.
ولكن، منذ أن نجحت قوات نظام الأسد المدعومة من حزب الله والإيرانيين والقوات الجوية الروسية، في إيقاع الهزيمة بالمعارضة وإخراجها من شرق حلب، في 2016، فك الشرع ارتباطه بالقاعدة، ووسَّع منظمته لمجموعات أخرى، وانضوت جميعها تحت مظلة هيئة تحرير الشام.
ومنذ 2017، عمل الشرع على التخلص من العناصر الراديكالية في الهيئة وتحرك تدريجيًّا نحو تبني خطاب إسلامي وطني، وأخذ في طرح تصور لمستقبل سوريا.
نجحت الهيئة في البروز باعتبارها القوة الرئيسة بين قوى المعارضة المسلحة الموجودة على الأرض السورية؛
وعملت بالتالي على تشكيل حكومة إنقاذ وطني لإدارة شؤون إدلب المحررة؛ وهي الحكومة التي أشاد بأدائها حتى أولئك الذين لم يخفوا معارضتهم للشرع والهيئة.
تفيد مصادر المعارضة السورية بأن الهيئة وحلفاءها من القوى المعارضة بدأت الإعداد لعملية عسكرية ضد قوات النظام منذ صيف 2023 على الأقل.
ولكن تركيا، التي تتواجد قوات جيشها في محيط إدلب، والتي كانت وقَّعت اتفاقية تحدد مناطق سيطرة المعارضة وخطوط فصلها عن مناطق سيطرة النظام، مارست ضغوطًا على المعارضة لمنعها من القيام بعملية هجومية لأكثر من مرة، سيما أثناء العدوان الإسرائيلي على لبنان وحزب الله.
ولكن اعتداءات قوات النظام المتكررة على المناطق المحررة، وتوقيع اتفاقية وقف إطلاق النار في لبنان، نزع من يد الأتراك مسوغ الاعتراض على مخطط المعارضة؛ ما أتاح للمعارضة إطلاق عملية “ردع العدوان“.
والأرجح أن عملية “ردع العدوان“، التي حمل اسمها دلالة واضحة إلى أن المقصود بها كان الرد على اعتداءات قوات النظام على المنطقة المحررة، كانت تقتصر على تحرير ما تبقى من أراضي محافظة إدلب، وهي المناطق التي كانت قوات النظام سيطرت عليها بعد اتفاقية عدم التصعيد، ومحاولة تحرير مدينة حلب، أو على الأقل قطاعها الغربي.
ولكن الانهيار المفاجئ لقوات النظام في حلب، وقوات حزب الله المتواجدة في المدينة، والسهولة التي تم بها تحرير بلدات إدلب الجنوبية–الشرقية ودحر قوات النظام المتواجدة فيها، دفع إدارة عمليات قوات المعارضة إلى تطوير العملية.
أمرت قيادة إدارة العمليات قوات المعارضة، مباشرة بعد تحرير حلب، في 9 ديسمبر/كانون الأول، بالتوجه جنوبًا باتجاه حماة وحمص ودمشق.
ولكن التقدم السريع على الطريق من حلب جنوبًا ولَّد أيضًا عددًا من التطورات في مناطق أخرى. ففي شمال حلب الشرقي؛ حيث تسيطر قوات سورية الديمقراطية، وثيقة الصلة بحزب العمال الكردستاني، بحماية أميركية على منطقتي تل رفعت ومنبج، بدأت قوات من جيش سوريا الوطني، المرتبط بالجيش التركي، عمليات لإخراج القوات الكردية من الأراضي التي تحتلها غرب الفرات منذ 2016، والتي هي أصلًا مناطق أغلبية عربية.
في شرق سوريا، حيث ظهرت بوادر على انهيار قوات النظام، سارعت قوات سوريا الديمقراطية إلى بسط سيطرتها على الرقة ودير الزور والقامشلي وعلى المعابر الحدودية مع العراق.
أما في درعا، حيث كانت سيطرة النظام أصلًا هشة، فقد تشكلت غرفة عمليات الجنوب من عناصر من الثوار كانت قد انخرطت في المصالحات التي أشرفت عليها القوات الروسية بعد 2016، وأخرى لجأت للأردن، وسارعت إلى العودة إلى المحافظة الجنوبية، وبدأت تحركات لتحرير محافظة درعا من قوات النظام.
والأرجح، أن غرفة عمليات الجنوب قد شُكِّلت باتفاق مع غرفة إدارة العمليات في إدلب، التي أطلقت التحرك الأساسي وقادته حتى أدى في النهاية إلى سقوط نظام الأسد. ولكن عددًا من المجموعات المختلفة التي انضوت في غرفة عمليات الجنوب عُرف بارتباطه بالأردن والإمارات.
في السويداء المجاورة، حيث انطلقت حركة احتجاجية درزية ضد النظام منذ أكثر من عام ونصف العام، بدأ ناشطون دروز، أعلنوا تأييدهم لغرفة عمليات إدلب، تحركًا على مستوى المحافظة بهدف السيطرة على المراكز والمؤسسات الحكومية والأمنية، وعلى مكاتب حزب البعث.
ما ساعد على تحرير درعا والسويداء، على أية حال، كان سحب وزارة دفاع النظام معظم قواتها المتواجدة في المحافظتين إلى دمشق، بهدف الدفاع عن العاصمة.
…
يتبع
______________