اضطراب حلفاء النظام

نظرًا لعلاقة تركيا بقوى المعارضة السورية، ساد اعتقاد متسرع، خصوصًا في أوساط نظام الأسد وحلفائه، بأن تركيا تقف خلف عملية ردع العدوان، وأن أنقرة تستطيع إيقاف العملية وقوات المعارضة إن أرادت.

وهذا ما دفع وزير الخارجية الروسي إلى مهاتفة نظيره التركي، مباشرة بعد انهيار قوات النظام في حلب، ثم تابعه حديث الرئيس بوتين مع الرئيس أردوغان في اليوم التالي.

كانت موسكو قد أعلنت صراحة أنها تعتبر قوى ردع العدوانمجرد جماعات إرهابية، وأعادت التوكيد على وقوفها إلى جانب الدولة السورية.

ولأن الواضح أن مباحثات القادة الروس مع نظرائهم الأتراك لم تفض إلى إيقاف قوى المعارضة، فقد أعطيت الأوامر إلى القوة الجوية الروسية في قاعدة حميميم بتقديم العون الجوي لقوات النظام.

ولكن حجم القوة الروسية الموجودة في سورية كان محدودًا، بعد أن تم سحب معظم الطائرات المقاتلة والطيارين بعد اندلاع الحرب على أوكرانيا. ولذا، فإن عمليات القصف التي شنَّها الروس على قوات المعارضة المتقدمة ومعاقل المعارضة في إدلب كانت غير كثيفة، وغير فعالة نسبيًّا.

التحرك الأبرز جاء من طهران، التي تعتبر سوريا الأسد ركيزة إستراتيجية بالغة الأهمية لنفوذها المتسع في المشرق العربي.

فما أن أدركت طهران جدية العملية التي أطلقتها قوى المعارضة حتى بدأ وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، جولة مكثفة في الجوار الإقليمي.

في 1 ديسمبر/كانون الأول، وصل عراقجي دمشق والتقى الأسد، وفي اليوم التالي انتقل إلى أنقرة واجتمع بنظيره التركي، حاقان فيدان، وعقد معه مؤتمرًا صحفيًّا؛ وفي 6 ديسمبر/كانون الأول، حل عراقجي ببغداد للالتحاق بلقاء ثلاثي جمعه بوزيري الخارجية، العراقي والسوري، والتقى من ثم برئيس الحكومة العراقية.

والواضح أن جهد وزير الخارجية الإيراني، الذي يبدو أنه أدرك مبكرًا عجز قوات الأسد عن الدفاع عن النظام، انصب على محاولة إيقاف هجوم المعارضة، وعلى تشجيع الحلفاء في الإقليم على التحرك لدعم نظام الأسد.

ولكن ما ألمحت إليه كلمات الوزير الإيراني ونظيره التركي خلال مؤتمرهما الصحفي المشترك أن خلافات عميقة فصلت بين مقاربتي تركيا وإيران للمسألة السورية، وأن أنقرة تحمِّل الأسد مسؤولية انفجار الوضع السوري، وأنها ترفض الضغط على المعارضة لإيقاف عمليتها الهجومية.

أما في العراق، فيبدو أن الحكومة العراقية قررت، حتى قبل وصول عراقجي، النأي بالنفس عن الوضع السوري؛ وأن رئيس الحكومة العراقية، بوصفه القائد العام للقوات المسلحة، اختار ألا يسمح لقوات الحشد الشعبي بالتحرك إلى سوريا لمد يد العون لقوات الأسد.

ولم يكن غريبًا أن يأتي بيان لقاء وزراء الخارجية الثلاثة باهتًا، خاليًا من أية استجابة للضغوط الإيرانية سوى توكيد وزير الخارجية العراقي على رغبة العراق في لعب دور الوسيط لمساعدة الأطراف السورية على الحوار.

الاستجابة الوحيدة لاستدعاء حلفاء إيران جاءت، كما يبدو، من حزب الله، الذي أشارت تقارير إلى أن ما يقارب ألفين من مقاتليه قد تحركوا إلى مدينة القصير، غرب حمص والقريبة من الحدود اللبنانيةالسورية، والتي كان حزب الله قد سيطر عليها في الأشهر الأولى من الثورة السورية بعد معركة صعبة.

ولكن كما سبقانسحبت الأعداد القليلة من قوات الحزب الموجودة في حلب برفقة قوات النظام.

فقد أكدت تقارير في اليوم السابق على فرار الأسد، أن عناصر الحزب في القصير بدأت في إخلاء المدينة متجهة إلى البقاع اللبناني.

إيران نفسها لم تكن على استعداد لإرسال قوة عسكرية إلى سوريا.

أولًا: لأن تدخلها في الشأن السوري كان مقتصرًا من البداية على المستشارين والخبراء، الذين اعتمدوا في دعم نظام الأسد على قوات مشاة من الفصائل المسلحة العربية وغير العربية الشيعية؛

وثانيًا: لأن طهران أدركت أن الوضع الدولي والإقليمي لا يسمحان بتدخل إيراني كثيف في الشأن السوري؛

وثالثًا: لأن الإيرانيين وجدوا أن الروس لم يعد باستطاعتهم توفير الدعم الجوي القادر على تحويل مسار المواجهة؛

ورابعًا: وهو الأهم، أن المسؤولين الإيرانيين، سواء من كانوا بالفعل في سوريا، أو زاروها بعد اندلاع المواجهة، توصلوا إلى الاستنتاج بأن الجيش السوري لم يعد قادرًا، لا معنويًّا ولا عسكريًّا، على القتال دفاعًا عن النظام.

عندما وصل عراقجي إلى الدوحة لاجتماع دول الأستانة الثلاث، روسيا وتركيا وإيران، صباح السبت 7 ديسمبر/كانون الأول، كان وزير الخارجية الإيراني، كنظيره الروسي، قد فقد الأمل كلية في إمكانية إنقاذ نظام الأسد.

ويبدو أن عراقجي ولافروف، مباشرة بعد انتهاء الاجتماع الثلاثي مع حاقان فيدان، وربما أثناء الاجتماع التالي، الذي ضمَّ ثلاثي الأستانة مع وزراء خارجية خمس دول عربية (قطر، ومصر، والأردن، والسعودية، والعراق)، حاولا في اتصالات مع دمشق دفع الأسد إلى إعلان قبوله بتطبيق قرار مجلس الأمن 2254، والقبول بمجلس عسكري يبدأ حوارًا مع المعارضة السورية لتشكيل حكومة انتقالية.

فيبدو أن الأسد اقتنع أن حليفيه لن يسارعا إلى إنقاذه، فسارع إلى الهروب من العاصمة، دمشق، في وقت ما من أواخر ليل السبت أو أوائل صباح الأحد 8 ديسمبر/كانون الأول.

المواقف الخارجية بين التحذير والتأييد

كان للانتصار السريع لقوى المعارضة، الممثلة في إدارة العمليات وهيئتها السياسية، بأقل درجة ممكنة من العنف والخسائر البشرية، وسيطرتها السريعة على العاصمة، دمشق، وسلوكها بالغ الانضباط في التعامل مع بقايا نظام الأسد ومؤسسات الدولة السورية، ومع كافة الأقليات الدينية والطائفية، ردود فعل متباينة في الإقليم والعالم.

كافة الأطراف، المؤيدة لثورة الشعب السوري أو تلك التي اختارت الوقوف إلى جانب النظام، فوجئت بالسرعة التي انهارت بها مقاومة النظام والتي استطاعت فيها قوات المعارضة التقدم إلى دمشق بعد انتصارها في حلب.

ولكن، وما أن نجحت قوات المعارضة في بسط سيطرتها على دمشق، وبدأت التحضير لحكومة تسيير الأعمال التي ستستلم الحكم من آخر حكومات نظام الأسد حتى أخذت القوى المختلفة في تحديد مقاربتها للوضع السوري الجديد.

عربيًّا، سارعت الرياض إلى تعديل موقفها من الحدث السوري، الذي كان سابقًا يرفع العزلة العربية عن نظام الأسد، إلى تأييد طموحات الشعب السوري والإعراب عن الأمل في أن تستعيد سوريا استقرارها ووحدتها في أسرع وقت ممكن.

أما الإمارات، التي كان يُعتقد أنها تقوم بوساطة بين النظام وإدارة بايدن، بهدف فك ارتباط سوريا الأسد بإيران مقابل رفع العقوبات الأميركية والدولية المفروضة على نظام الأسد، فقد حذرت بعد سقوط النظام من الفوضى والحفاظ على المؤسسات الوطنية.

أما العراق والأردن ولبنان، الدول المجاورة لسوريا والأكثر تأثرًا بتطورات الموقف السوري، فقد تصرفت بدرجة من الحياد، وبدا أنها تنتظر تطورات الموقف.

تركيا، التي كانت إحدى أوائل الدول المؤيدة للثورة السورية، والتي استقبلت الكتلة الأكبر من اللاجئين السوريين، بما في ذلك كافة هيئات المعارضة السورية السياسية في الخارج، والتي تربطها صلات من مستويات متفاوتة بالتنظيمات التي تشكلت منها غرفة إدارة عمليات ردع العدوان، بدت مؤيدة للعملية واحتفت بانتصار قوى المعارضة وسقوط نظام الأسد.

كانت أنقرة، كما هو معروف، قد مدت يدها لبشار الأسد طوال العام السابق على انطلاق عملية ردع العدوان، معربة عن رغبتها في التفاوض معه حول حل مسائل الخلاف وعودة اللاجئين السوريين والإسراع في مسار الحل السياسي للمسألة السورية.

ولكن الأسد، الذي اطمأن لبقائه في الحكم والشعور المبكر بالنصر بعد أن قام أغلب الدول العربية بتطبيع العلاقات مع نظامه، وبعد أن دُعي إلى القمة العربية في الرياض، لم يستجب للمبادرة التركية.

أعادت تركيا التذكير برفض بشار لكافة محاولات التقارب ومقترحات الحل السياسي، وحمَّلته والدول الداعمة له مسؤولية اندلاع الصراع في سوريا من جديد، مشيدة بتصميم الشعب السوري على مواصلة النضال من أجل حريته، ومؤكدة على وحدة سوريا ورفض التدخلات الأجنبية في شؤونها.

كما أعلن المسؤولون الأتراك، بمن في ذلك الرئيس أردوغان، أن مستقبل سوريا سيقرره الشعب السوري وحده، وأن تركيا لن تتردد في تقديم الدعم الاقتصادي، والسياسي، والعسكري إلى أن تستطيع الدولة السورية الجديدة الوقوف على قدميها.

ولم يكن موقف الدوحة، التي رفضت طوال السنوات الأخيرة التطبيع مع نظام الأسد، مختلفًا عن موقف أنقرة. كما سارعت الخارجية القطرية، مباشرة بعد سقوط نظام الأسد، إلى الإعلان عن عزمها فتح سفارتها في دمشق.

روسيا وإيران، اللتان ظلَّتا حتى الساعات الأخيرة من عمر نظام الأسد، تصفان قوى المعارضة بالإرهابية، وبأن عملية ردع العدوانليست أكثر من مؤامرة خارجية لإطاحة نظام حكم شرعي، أخذت هي الأخرى في تغيير لغتها تجاه الوضع السوري وقادة سوريا الجدد، وإن بقدر بالغ من التردد والارتباك.

والواضح أن طهران تحاول التكيف مع الوضع الجديد وإعادة تقييم شاملة لسياستها في المشرق العربي، سيما في سوريا ولبنان، بهدف احتواء الخسارة الإستراتيجية التي تسبب فيها انهيار نظام الأسد، ومحاولة حماية ما تبقى من مواقعها ومنع حصار حزب الله.

أما موسكو، التي يبدو أنها استلمت تطمينات عامة من قوى المعارضة السورية، فالمؤكد أنها فتحت خطوط اتصال مع قادة دمشق الجدد، أولًا بصورة غير مباشرة، ثم بصورة مباشرة. والمؤكد أن المسألة الرئيسة في هذه الاتصالات تتعلق ببقاء القاعدتين، الجوية والبحرية، الروسيتين في سوريا.

يتبع

________________

مواد ذات علاقة