أمين أيوب

شحّ المياه والتعاون الأمني يجري تسليحهما من قبل نخب متنافسة وقوى أجنبية
مع دخول ليبيا الأسابيع الأولى من عام 2026، يكثر الحديث لدى مراقبين دوليين عن «عطشٍ إلى الوحدة» بوصفه القوة الحتمية التي ستدفع في نهاية المطاف الإدارات المتنافسة في البلاد إلى الالتقاء.
ويستند هذا التفاؤل إلى «الخطة الوطنية المتكاملة للأمن المائي 2050»، وهي خارطة طريق تقنية تهدف إلى إنقاذ بلد لا يغطي فيه المورد المائي المتجدد سوى أقل من 20% من الطلب السنوي.
غير أن قراءة الواقع على الأرض تشير إلى أن هذه «الدبلوماسية الهيدروليكية» أقرب إلى سراب منها إلى معجزة. ففي بلد يحدده نخرٌ مؤسسي واحتلالات أجنبية متنافسة، يُرجَّح أن يتحول التهديد الوجودي بالعطش إلى أداة صراع بدل أن يُحل.
تسليح منظومة النهر الصناعي العظيم
يرتكز الأمل الأساسي في الوحدة على منظومة النهر الصناعي العظيم، وهي شبكة تمتد لنحو 4 آلاف كيلومتر وتضم 1300 بئر، تنقل يوميًا مياهًا أحفورية من خزانات الصحراء إلى المراكز الساحلية.
ويجادل أنصار خطة 2050 بأن الاعتماد المشترك على نظام الحجر الرملي النوبي يفرض تقاربًا «وظيفيًا». إلا أن تاريخ العقد الماضي يثبت أن الاعتماد المتبادل في ليبيا ليس سوى هشاشة قابلة للاستغلال.
خلال نزاعات عامي 2014 و2019، تحوّل النهر الصناعي إلى مسرح رئيسي لـ«تسليح المياه».
فقد اقتحمت جماعات مسلحة، بينها مجموعات موالية للجيش الوطني الليبي، مرارًا محطات التحكم لقطع إمدادات المياه عن طرابلس كوسيلة للضغط السياسي.
ومع مرور المنظومة عبر مناطق متنازع عليها يكاد تأمينها يكون مستحيلًا، يصبح اشتراط خطة 2050 بروتوكول صيانة موحّد وشبكة كهرباء واحدة ضربًا من الخيال التقني. وبالنسبة للنخب المتنافسة في طرابلس وبنغازي، فإن السيطرة على تدفق المياه أداة بقاء أكثر قيمة من استدامة الخزان على المدى الطويل.
فشل «المؤسسات الزومبي»
يُقوّض النخر المؤسسي في ليبيا أي مسار تكنوقراطي نحو الوحدة. فقد تحوّل مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط إلى «مؤسسات زومبي»ـ كيانات «غير ميتة» عاجزة عن أداء وظائف إيجابية لكنها تمثل تهديدًا دائمًا للاستقرار. وحتى منتصف 2025، ظلّ المصرف المركزي في حالة «كارثية»، غير قادر على إدارة سياسة نقدية فعّالة، فيما تُضعِف الأسواق الموازية المتعددة قيمة الدينار.
هذا التفكك الاقتصادي ليس صدفة، بل سمةٌ لنموذج مركزي تتنافس فيه الفصائل لا على الحوكمة، بل على السيطرة الكاملة على عائدات النفط. وتُظهر إغلاقات النفط في 2024 ـ التي كلّفت البلاد ملياري دولار من الإنتاج المفقود ـ أن «شاغلي المناصب السياسية والجماعات المسلحة» مستعدون لافتراس الاقتصاد للحفاظ على شبكات المحسوبية الخاصة بهم.
احتلالات متنافسة: روسيا وتركيا
أكبر العوائق أمام توحيد ليبيا هي الجهات الإقليمية «الخبيثة» التي انتقلت من التدخل المؤقت إلى كونها أصحاب مصلحة دائمين.
«فيلق أفريقيا» الروسي:
عقب انهيار النظام السوري أواخر 2024، أعادت روسيا تموضع ليبيا بوصفها مركزها العسكري الأساسي لإسقاط القوة في المتوسط والساحل. ومن خلال بروتوكول ثلاثي لمدة 25 عامًا مع الجيش الوطني الليبي وبيلاروسيا، ضمنت موسكو السيطرة على 11.7 كيلومتر مربع من ميناء طبرق، بما في ذلك مرافق لوجستية بحرية ومنصات إطلاق للطائرات المسيّرة. لا تسعى روسيا إلى ليبيا موحّدة؛ بل تبني «نقطة تموضع بعيدة المدى» لعملياتها في مالي والنيجر وبوركينا فاسو.
«الوطن الأزرق» التركي:
مُدِّد التفويض العسكري لأنقرة حتى يناير/كانون الثاني 2028، مانحًا الرئيس أردوغان صلاحيات واسعة لحماية المصالح التركية. ورغم انخراط تركيا في «إعادة معايرة براغماتية» عبر التواصل مع إدارات الشرق، يظل هدفها الجوهري إضفاء الشرعية على اتفاقية 2019 البحرية التي تتيح لها الوصول إلى منطقة طاقة تُقدَّر قيمتها بـ1.5 تريليون دولار في شرق المتوسط. وقد تعيد حكومة ليبية موحّدة وذات سيادة التفاوض على هذه الاتفاقيات «غير الصحيحة قانونيًا» أو تلغيها، ما يجعل حالة «التعاون التخاصمي» الراهنة بين تركيا وروسيا أكثر جاذبية لأنقرة من استقلال ليبي حقيقي.
فلينتلوك 2026: حدود الاحتراف العسكري
يُسوَّق تمرين «فلينتلوك 2026» بقيادة الولايات المتحدة ـ المقرر قرب خط وقف إطلاق النار في سرت ـ بوصفه «دليلًا ملموسًا» على توحيد المؤسسة العسكرية. ومن خلال جمع وحدات من حكومة الوحدة الوطنية في الغرب والجيش الوطني الليبي، تأمل واشنطن في ترسيخ ثقافة أمنية مهنية.
غير أن شكوكًا عميقة لا تزال قائمة حيال استعداد الجيش الوطني الليبي لقطع روابطه «الراسخة بعمق» مع موسكو. ويرى منتقدون أن المشاركة في هذه التمارين دون شروط أخلاقية صارمة لا تؤدي إلا إلى تحديث قدرات الضرب لجماعات مسلحة ما زالت متورطة في انتهاكات حقوق الإنسان، بما فيها القتل غير المشروع وقمع المجتمع المدني.
حتمية الانقسام البنيوية
إن «العطش إلى الوحدة» في ليبيا حقيقة بيولوجية لمواطنيها البالغ عددهم 7.3 ملايين نسمة، لكنه استحالة سياسية لقياداتها. فخطة المياه 2050 وتمارين التدريب العسكري مثل فلينتلوك 2026 ليست سوى ضمادات تكنوقراطية على جسد سياسي يجري تفكيكه منهجيًا بفعل الجشع المحلي والاستراتيجيات الجيوسياسية الأجنبية.
وطالما استمرت «مؤسسات الزومبي» في توفير الريوع للمليشيات، وحافظت الجيوش الروسية والتركية على تفويضاتها الممتدة لعقود، سيبقى الحديث عن «دولة موحّدة» سرابًا صحراويًا.
إن الاستقرار الحقيقي لا يتطلب خارطة تقنية للمياه فحسب، بل تفكيكًا شاملًا لاقتصاد الصراع الذي يجعل الفوضى الصناعة الأكثر ربحًا في حوض المتوسط.
___________
