Minbar Libya

بقلم أحمد قاسم حسين

  شهدت العاصمة الليبية طرابلس، في 26 آب/ أغسطس 2018، اشتباكات عنيفة، استُخدِمت فيها أنواع مختلفة من الأسلحة بين كتائب مسلحة قادمة من جنوب العاصمة (اللواء السابع، ترهونة) والكتائب الموالية لحكومة الوفاق الوطني.

الجزء الأول

قد أفضى تدخُّل بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا إلى اتفاق، في 4 أيلول/ سبتمبر 2018، يقضي بوقف إطلاق النار، وقَّعه قادة الكتائب المسلحة التي تسيطر على طرابلس ومحيطها، وهي الكتائب التي يطغى على تشكيلاتها البعد القبلي والجهوي والأيديولوجي، على نحو يُصعِّب رصد خريطة تحالفاتها وأسباب تحركاتها الميدانية، إضافة إلى تأثير العامل الخارجي الذي يزيد المشهد السياسي والأمني الليبي تعقيدًا.

لذا، وصف مبعوث الأمم المتحدة الخاص بليبيا، غسان سلامة، في إحاطته أمام مجلس الأمن حول الاشتباكات في طرابلس، اتفاق السلام بـ الهش؛ وذلك لأسباب عديدة، أهمها تقييمه للواقع الميداني المتشابك الذي تشهده طرابلس ومحيطها، وفوضى السلاح، وانتشار الكتائب، وفشل حكومة الوفاق الوطني في إعادة هيكلة القوى الأمنية ودمج الكتائب المسلحة في جهاز أمني موحَّد يتبع وزارة الداخلية، فضلًا عن دور القوى الإقليمية والدولية المؤثر في العلمية السياسية وتَعارُض مصالحها الأمنية والاقتصادية في ليبيا.

أولًا: طرابلس: مشهد أمني وعسكري متغير

تحفل طرابلس بعدد كبير من الكتائب المسلحة ذات المشارب الأيديولوجية والسياسية المختلفة، وهي، بلا شك، مؤثرة في المشهد الأمني والسياسي.

وقد حاولت حكومة الوفاق الوطني، منذ دخولها طرابلس في آذارمارس 2016، مهادنة هذه الكتائب المسلحة التي تُحكِم القبضة الأمنية والعسكرية على العاصمة، وعقدت اتفاقيات مع عدد منها، من أجل تسهيل عملها داخل العاصمة، وضمان أمنها، مقابل منحها دورًا فاعلًا في العملية السياسية.

وحاولت الحكومة، في ظل هذه البيئة الأمنية والعسكرية المعقدة، العمل على إيجاد ترتيبات خاصة بوزارة الدفاع؛ فوفقًا للمادة الثامنة من الاتفاق السياسي الليبي، المعروف باتفاق الصخيرات، فإن مجلس رئاسة الوزراء هو المسؤول عن القيام بأعمال القائد الأعلى للجيش الليبي.

وبناءً على ذلك، صدر عنه القرار رقم 2، بتاريخ 9 أيار/ مايو 2016، القاضي بإنشاء الحرس الرئاسي، ومقرُّه طرابلس، وتتلخص مهماته في تأمين المقارّ الرئاسية السيادية والمؤسسات العامة في الدولة، وتأمين الأهداف الحيوية، ومنها منافذ الدخول البرية والبحرية والجوية.

ويعد هذا القرار خطوةً لإعادة ترتيب أوضاع الجيش وهيكلته، بحكم أنه يعاني عدم الكفاءة والجاهزية، كما يعاني تشتت الولاء؛ إذ تُقاتل عناصر منه تحت قيادة العقيد خليفة حفتر في الشرق، بينما تتبع عناصر أخرى منه حكومة الوفاق.

لكن حجم التحديات والصعوبات الكبير الذي واجه حكومة الوفاق أدى إلى فشلها في تنفيذ تلك القرارات؛ نتيجة رفض عدد كبير من الكتائب المسلحة الانخراط في العملية السياسية، والتحول إلى قوات شرطية وأمنية تحت إمرة حكومة مركزية.

لكن كان ما جرى هو العكس؛ فقد أصبحت حكومة الوفاق الوطني أسيرة الكتائب المسلحة ذات التوجهات والمصالح المتناقضة؛ على نحو انعكس سلبيًا على المشهد الأمني والعسكري في طرابلس ومحيطها.

وقد أدى الخلل في توازنات القوى، وتعارُض المصالح بين الكتائب المسلحة، إلى الاقتتال والاشتباك وتدهور الوضع الأمني؛ ففي كانون الثاني/ يناير 2017، تمكنت قوات تابعة لرئيس حكومة الإنقاذ الليبية، خليفة الغويل، من السيطرة على مقارّ وزارات سيادية مهمة في طرابلس (وزارات: الدفاع، والاقتصاد، والعمل، والجرحى، والعدل)، لكن سرعان ما استعادت قوات تابعة لحكومة الوفاق الوطني تلك المقارّ.

كما دارت اشتباكات بين مجموعات مسلحة، يقودها صلاح بادي، قائد لواء الصمود التابع لحكومة الإنقاذ، وهو الذي قاد عملية عسكرية أُطلق عليها اسم فجر ليبيا، لما سماه تحرير طرابلس من المجموعات المسلحة، وقد تصدَّت له قوات عبد الغني الككلي التابعة للمجلس الرئاسي.

كذلك، تبنى تنظيم الدولة الإسلامية مسؤولية هجوم انتحاري على مكتب مفوضية الانتخابات الليبية في طرابلس، أسفر عن مقتل 15 شخصًا، بينهم ثلاثة موظفين، وأربعة من القوات المحلية، وجرح عدد من المواطنين.

وقد جاءت الاشتباكات التي شهدتها طرابلس، في 26 آب/ أغسطس 2018، استمرارًا للمعضلة الأمنية التي تواجه حكومة الوفاق الوطني؛ إذ أسفرت عن مقتل 61 ليبيًّا، وجرح 159 آخرين، ونزوح عدد كبير من المواطنين الليبيين، وأدى انهيار الأمن في مناطق الاشتباكات إلى انتشار العصابات في الشوارع، وفرار مئات المجرمين من السجون، وشملت تلك الاشتباكات مراكز المهاجرين الذين كانوا عالقين في مراكز الاحتجاز.

وعلى إثر ذلك، قادت جهود البعثة الأممية في ليبيا إلى توقيع اتفاق 4 أيلول/ سبتمبر 2018، بين الكتائب المسلحة المتناحرة.

وقد تجددت الاشتباكات في محيط طرابلس، بعد أسبوع من توقيع اتفاق وقف إطلاق النار؛ حيث أُطلِقت في 11 أيلول/ سبتمبر 2018، صواريخ في اتجاه مطار معيتيقة في طرابلس، أعلنت السلطات على إثره وقف الملاحة الجوية في المطار وتحويل الرحلات إلى مطار مصراتة. كما استهدف هجوم انتحاري تبنَّاه تنظيم الدولة الإسلامية المؤسسة الليبية للنفط.

ويعني كل ذلك أن طرابلس غير مستقرة، وأن توقيع اتفاق وقف إطلاق النار لن يحول دون تدهور الوضع الأمني. ويمكن إرجاع المعضلة الأمنية في طرابلس ومحيطها إلى مجموعة من العوامل، أهمها:

فراغ القوة الذي خلَّفه سقوط نظام القذافي ترافق مع وجود مخزون هائل من الأسلحة، وانهيار كامل للدولة ومؤسساتها بوصفها فاعلًا أساسيًّا في المسائل الأمنية.

قرار المجلس الوطني الانتقالي، تحت ضغط الكتائب المسلحة، بدفع أجور لأعضاء تلك الكتائب من الخزينة العامة؛ وهو ما حوَّلهم إلى فئة متميزة، مقارنة بمن تبقى من أفراد القوات المسلحة النظامية، فقد ارتفع عدد الملتحقين بها عشرة أضعاف، وصولًا إلى 250 ألف شخص في غضون أقل من سنة من سقوط القذافي.

فشل الحكومات المتعاقبة على ليبيا، وآخرها حكومة الوفاق الوطني، في دمج تلك الكتائب وتحويلها إلى قوات شرطية أو عسكرية ضمن إستراتيجية أمنية تقوم على ضبط السلاح وتحقيق الاستقرار والأمن الداخليين.

الخلل في توزيع القوة بين الكتائب المسلحة، وحالة انعدام الثقة بين قادتها من جهة، وبين قادتها وحكومة الوفاق الوطني من جهة أخرى؛ وهو ما أدى إلى انتهاجها نهجًا براغماتيًّا يصعب معه التنبؤ بسلوكها وتحركاتها الميدانية.

دعم القوى الدولية والإقليمية، عسكريًّا واقتصاديًّا، لعدد من الكتائب المسلحة؛ وهو ما ساهم في استقلاليتها، ومنحها هامش مرونة أكبر لتحركات عسكرية تحت دعوى الشرعية وتطهير البلاد من الكتائب الأخرى المنافسة لها.

الجدير بالذكر أن حكومة الوفاق الوطني لم تتلق الدعم اللازم من القوى الإقليمية والدولية الفاعلة، والتي لم تساعدها على تطبيق ما ورد في اتفاق الصخيرات، وخصوصًا المادة 57 منه التي تمنح حكومة الوفاق الوطني ضوءًا أخضر في طلب الدعم من البعثة الأممية والمنظمات الإقليمية، حتى تضع وتقرّ خطة شاملة للدعم الدولي لمؤسسات الدولة الليبية، وتعزز الاستقرار الأمني في البلاد. وبقيت مقاربات القوى الإقليمية والدولية أمنية محضة عند تعرض أمنها لخطر داهم قد يكون مصدره ليبيا.

البقية في الجزء الثاني

***

أحمد قاسم حسين ـ يعمل باحثًا في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. حاصل على إجازة في العلوم السياسية من جامعة دمشق، عمل مساعد مدرس في كلية العلوم السياسية بجامعة دمشق قسم العلاقات الدولية. حاصل على شهادة الدكتوراه من جامعة فلورنسا الإيطالية، تتركز اهتماماته البحثية حول العلاقات الدولية.

 ________________