Minbar Libya

بقلم عبدالرزاق بالحاج مسعود

تتوالى المبادرات السياسية لحلّ أزمة الانقسام السياسي والحرب الأهلية المفتوحة في ليبيا من دون جدوى. وتستمرّ معاناة الشعب الليبي من الحرب العبثية ومن استباحة بلادهم من قبل أطراف استعمارية متعدّدة تلتقي جميعها حول عرقلة الحلّ السياسي ماد دام لا يحفظ مصالحها الاستعمارية.

الجزء الأول

هذا الوضع يستدعي محاولة فهم الأسباب البنيوية العميقة لهذا المأزق التاريخي الشامل الذي تردّت فيه ليبيا والذي يهدّد باستفحال هذا المأزق واستمراره بما يجعل من ليبيا رقعة فراغ تاريخي عربي لا تتوفّر فيه شروط التحديث السياسي في المدى المنظور.

نفكّك في هذه الورقة مكوّنات هذا المأزق وأسبابه:

مقدّمة

تتخبّط ليبيا في حالة من الفوضى التاريخية الشاملة. فوضى سياسية ومجتمعية  تعبّر عن نفسها في حرب أهلية عبثية بين مجموعات مسلّحة ليس لها هويات سياسية ولا حتى قبليّة/جهوية واضحة وثابتة، وانسداد سياسي شامل يجعل من كلّ محاولات الحلّ السياسي المبذولة إلى حدّ الآن (منذ اتفاق الصخيرات حتى اتفاق باريس) عديمة الجدوى وبلا أفق.

ما الذي يجعل الحالة الليبية بكلّ هذا التعقيد؟ أمِن عوامل سوسيوتاريخية محلية متّصلة بالتركيبة القبلية الراسخة وغياب فكر الإصلاح والتحديث خلال كل تاريخ ليبيا الحديث؟

أم بسبب تعقّد الظاهرة الكولونيالية المتغيّرة والمتغلغلة في ليبيا بسبب تضخّم ثروتها النفطية وأهميتها الاستراتيجية بالنسبة لمراكز الرأسمالية العالميّة؟

ما الذي يجعل التاريخ يبدو متوقّفا في ليبيا؟

غياب التحديث، أو الحداثة المقلوبة

معضلة ليبيا التاريخية/الوجودية أنها لم تعرف قيام الدولة المركزية الحديثة، لا في المرحلة الملكية القصيرة التي امتدّت من سنة 1951 إلى سنة 1969، والتي انتقلت بالبلاد برعاية الاستعمار المتراجع حينها من الحكم الاتحادي( ثلاث ولايات حكم ذاتي) إلى الحكم المركزي لغايات سلطوية ملكية استعمارية لا بخلفية قومية وطنية، ولا خلال حكم القذافي الذي حمل صفات مختلطة انتهت به إلى حالة عجائبية نادرة في التاريخ الحديث، فقد كان حكما شبه ملكي فردي ثوري أوليجارشي قبلي عائلي عسكري أصابته ثروة النفط الخيالية بحالة بارانويا لا مثيل لها في التاريخ الحديث.

يبدو لنا أن التاريخ الليبي الآن يتوقّف كليّا ويتخبّط في محاولة فريدة لتدارك تخلّف سياسي وثقافي ومجتمعي شامل كرّسه الاستعمار الإيطالي الذي لم تصحبه خلفية معرفية، وعمّقه من بعده حكم القذّافي الذي كان أشبه بالمشعوذ لا بالسياسي.

من هنا يأتي تساؤل مركزي لا بدّ من طرحه لمعرفة السياق التاريخي العامّ الذي يفسّر حالة الانسداد السياسي/التاريخي الشامل الحالي في ليبيا بما يجعل العالم كلّه يتفرّج بذهول على حالة فراغ عجيب في رقعة واسعة من العالم لا يستطيع أحد التنبّؤ باتجاهها: هل بإمكان بنية وعي شبه مجمّدة في المرحلة القبلية الدينية/السلفية المحافظة، لم تهبّ عليها رياح الإصلاح النهضوي العربي ( كما حدث في أغلب دول العرب بأقدار متفاوتة)، وأسلمها استعمار فقير معرفيّا (الاستعمار الايطالي) إلى مرحلة دكتاتورية مصابة بجنون بارانويتكمخلوط بالايديولوجيا ( وهم قيادة الثورات في كل أنحاء العالم) والثروة، ثمّ إلى فوضى استعمارية منفلتة من كلّ منطق..

هل بإمكانها أن تنتج حلاّ سياسيا قريبا يعيد بلدا مثل ليبياذا أهمية مركزية في مستقبل المنطقة العربيةإلى سكّة التاريخ العربي والعالمي؟

مكوّنات المشهد/المأزق السياسي الليبي

العملية السياسية في ليبيا منذ الانفجار الثوري في فيفري 2011 (الذي انطلق شعبيّا مواطنيّا وتمّ اختراقه من طرف مخابرات العالم لينتهي فوضويّا) مركّبة ومهندسة من الخارج بصورة كلّية.

بما يجعل المشهد كلّه مختطفا من فاعلين خارجيّين ذوي أجندات غير وطنية ومتقلّبة حسب علاقات القوّة فيما بينها وحجم الفاعلية الميدانية عبر مجموعات مسلّحة تتداخل فيها عصبيّات متناقضة ومتجاورة ومتشابكة منها القبلية والمناطقية والدينية والإجرامية، ويجمع بينها كلّها تسليح أجنبي واسع وكثيف وسخيّ وشبه علني تفتح له كلّ خطوط النقل والتجارة العالمية برعاية دولية متآمرة رغم استمرار الحظر الدولي على صادرات الأسلحة والعتاد إلى ليبيا منذ 2011.

لذلك ليس من العسير الانتباه إلى أن العملية السياسية في ليبيا تدار برمّتها من قبل طرفين أساسيّين:

أولا: طرف خارجي استعماري متعدّد الرؤوس

يمكن تلخيصه في:

ـ دور فرنسي كان متحمّسا وحاسما مع ساركوزي في ترجيح كفّة التدخّل العسكري الأجنبي المباشر لا لإزاحة القذافي كشخص ونصرة الثوّار العزّل كما يتبادر لكثيرين، بل لمسح آثار جريمة تمويل القذافي لحملته الرئاسية سنة 2007.

ولكنّ الدور الفرنسي سرعان ما انكفأ بعد سلسلة المشاكل القضائية التي تعرّض لها ساركوزي وانتهت بإخراجه من المشهد السياسي الفرنسي، واصطدامه بساحة ليبية معقّدة ومنافسين استعماريين تقليديّين ( إيطاليا ثم بريطانيا والولايات المتحدة الملتحقة حديثا بالمنطقة) وفاعلين إقليميّين متحوّلي الولاءات والمصالح.

ومع ذلك تظلّ فرنسا ماكرون مصرّة على جني ريع تدخّلها العسكري المغامر في ليبيا بمواصلة الإشراف على مفاوضات الحلّ النهائي بعد نجاحهافي تجميع رموز الأزمة الليبية ( حكومة طرابلس وبرلمان طبرق وجيش حفتر ومجلس الدولة).

ـ حضور إيطالي تقليدي في ليبيا استمرّ مع حجم مصالح اقتصادية استراتيجية كبيرة لم يتوان سيلفيو برلسكوني رئيس وزراء إيطاليا سنة 2009 لضمانها عن تقديم اعتذار للقذافي عن الاستعمار الايطالي والسماح له بنصب خيمته البدوية الرثّة في قلب روما مقابل تمكين الشركات البترولية الايطالية من حصة أكبر من النفط الليبي والمحافظة على وضع الشريك التجاري الأكبر لليبيا.

لكنّ إيطاليا فوجئت سنة 2011 بالتدخّل الفرنسي العسكري في ليبيا ولا زالت تتعامل بحذر مع تداعياته بما فيها مخرجات لقاء باريس. وها هي إيطاليا ترمي حجرا جديدا في بحيرة ليبيا المكدّرة أصلا مقترحة مؤتمرا دوليا جديدا يستأنف كلّ جهود الحلّ السياسي من الصفر ويقحم الولايات المتحدة في تفاصيل الحلّ السياسي.

ـ الولايات المتحدة كانت أوّل مستثمر أجنبي في نفط ليبيا قبل تشهد الثمانينات من القرن الماضي مواجهة محسوبةبين القذافي وريغن انتهت بحصار طويل لكامل الشعب الليبي وهرسلة حكم القذافي دون أن تنهي وجود الشركات الأمريكية النفطية هناك.

ويبدو أنها اليوم تتردّد في العودة القوية إلى المنطقة بعد الارتباك السياسي الذي طبع سياستها الخارجية منذ قرار أوباما تقليص حضورها العسكري خارج حدودها. قرار ظلّ غير نافذ واقعيّا تحت ضغط كارتيلات التصنيع العسكري الأمريكي وتشابك المصالح الرأسمالية المالية والتجارية المعولمة وانفجار منطقة الشرق الأوسط الجديد الذي لم ينته ترسيمه بعد.  

منذ 2011 كانت الولايات المتحدة تكتفي بتحريك أدواتها في ليبيا لتعطيل الحلّ ( ولم يكن الحلّ الفرنسي الخالص حلاّ) وإدامة الفوضى عبر ثقل تأثيرها في القرار الأممي. لكنها اليوم، وبعد أن وقفت على تداعيات غيابها المرتبك في سوريا على مصالحها، وكيف استغلّته روسيا لاستعادة دورها الدولي السوفياتيالقديم على حسابها، يبدو أنها تنظر إلى المقترح الإيطالي الأخير على أنه فرصة للعودة إلى المنطقة، خاصّة وان ترامب التاجر يعرف أن حضوره العسكري في ليبيا لن يعدم المقابل الماليّ المجزي بفضل النفط الوفير الذي يحتاج قوّة تحميه، وهي تملك القوّة وتستثمر فيها باستمرار.

فضلا عن أن الولايات المتحدة قد تضطرّ إلى تهدئة الساحة الليبية لتعويض النقص المتوقّع في سوق النفط العالمي إن هي ذهبت فعليّا في منع إيران من تصدير نفطها.

ـ الحضور البريطاني لا يزال مؤثرا في ليبيا رغم خفوت الصخب الإعلامي حوله. فالشركات النفطية البريطانية لا تزال تعمل في ليبيا. والأهمّ أن بريطانيا هي الحاضنة الأكبر للنخب السياسية الفاعلة في المشهد الليبي منذ 2011 . وتشكّل مرجعية سياسية وفكرية مقبولة لدى هذه النخب التي تبحث عن دور سياسي لم تكن مهيّأة له ولا تتصوّره في ظلّ حكم القذافي الذي بدا لها أبديّا.

إضافة إلى أن الدور البريطاني يتكامل، كما في كلّ ملفات السياسة في العالم، مع الدور الأمريكي.

ـ بقية الحضور الأوروبي في ليبيا، الألماني أساسا، ما زال طارئا على ساحة الفعل الدولي ولا يملك أوراقا مؤثرة من شأنها توجيه المواقف وبلورة الحلول.

ـ الحضور العربي في ليبيا واقع عينيّ. يمكن تلخيصه بحضور قطري عسكري ومالي تحت شعار مساندة الثورة الليبية. ولكنه حضور غذّى عمليّا تقسيم ليبيا إلى محاور سياسية إقليمية ودولية، وغذّى الانقسام الأهلي وفوضى السلاح. والجميع يدرك اليوم أن بحر السلاحالذي تسبح فيه ليبيا هو العائق الأوّل أمام عودة السياسة إلى البلاد.

مقابل الحضور القطري يحضر محور عربي آخر في الشرق الليبي ممثّلا في الإمارات ومصر لمساندة حفتر.

ولعلّنا لا نجانب الحقيقة إن جزمنا بأن الحضور العربي في ليبيا لا تحرّكه مصلحة عربية خالصة بقدر ما هو أذرع مالية طويلة في خدمة استراتيجيات دولية أكبر.

البقية في الجزء الثاني

_______________