Minbar Libya

كمقدمة ضرورية لفهم العلاقات الدولية، من المفيد معرفة نظريتين ومنهجين أساسيين من نظريات العلاقات الدولية المتعددة، وهما، ببساطة واختصار شديد:

1- المنهج الليبرالي: وينطلق ويتخذ من التكامل والتعاون بين الدول كأسلوب لتحقيق الأمن والمصالح المشتركة.

2- المدرسة الواقعية: تنطلق من أنه من طبيعة المجتمعات البشرية التنافس والصراع، مما يستدعي توفر واستخدام القوة لتحقيق وضمان الأهداف السياسية، مع حساب أكبر للجغرافيا السياسية والاقتصادية، وثقل الأدوات السياسية، وفِي مقدمتها القوى الخشنة والعسكرية.

اليوم، وفي عالمنا الراهن هناك عودة قوية وتزايد لانتشار وسطوة المدرسة الواقعية في دوائر الحكم والقرار، ومن أمثلة ذلك: ترامب في أمريكا، نتنياهو في إسرائيل، بوتين في روسيا، أردوغان في تركيا، وأيضاً في بعض دول منطقتنا وإيران، والذي انعكس ويمكن مشاهدته في تزايد وتصاعد الحروب والمواجهات العسكرية والاقتصادية.

وعموماً، فكلما اتجه العالم أيديولوجياً نحو اليمين والشعبوية، كما هو حاصل الآن حتى في أوروبا الغربية، كلما زاد النهج الواقعي (ملاحظة، من التبسيط المضلل ربط لفظة الواقعية التي نستخدمها كل يوم مع مصطلح الواقعيةفي النظرية السياسة وتطبيقاتها. هذا هو الواقع الواقعي للعالم اليوم، وهو يشبه مرحلة الاستعمار والحرب الباردة وما بينهما، مما يستدعي ويتطلب قيادات على درجة عالية من الرؤية الشاملة والوعي والحنكة والدهاء والمكر، دون ادعاء أو ارتكان. وغير ذلك هو مجرد انتحار سياسي وضياع أوطان).

وكما يقال، فالسياسة الخارجية لدولة ما، هي السياسة الداخلية لدولة أخرى. وعادة، يمكن تحديد (ستة) موجهات ومحاور في العلاقات الدولية والسياسة الخارجية، أهدافاً ودوافع، هي: (1) المعطيات والضغوط والمنطلقات الداخلية، (2) المصالح الاقتصادية والسياسة، (3) الأمن والسلام، (4) التوسع والهيمنة والتنافس، (5) التوجهات الثقافية والأيديولوجية والمعنوية، و(5) الارتباطات التاريخية.

وفي هذا التناول، فعوضاً عن تناول السياسة الخارجية للدولة الليبية والممارسات الخارجية للأطراف الليبية تجاه ومع الخارج، فماذا لو قلبنا زاوية اتجاه الرؤية، بالنظر من زاوية الدول الأخرى المنخرطة في الأزمة الليبية.

وهنا، لضمان ارتباط التحليل، مع ما سبق، فمن الضروري عند تناول الشأن والأزمة الليبية من منظور دولي خارجي، الانتباه للنقاط التالية: (1) موقع ليبيا الجيوسياسي، (2) الموارد الاقتصادية، (3) الديمغرافية والهجرة، الإرهاب. مع اعتبار احتمالات مساعي إعادة خورطة وتوازنات النفوذ في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، سواء من ضمن الشرق الأوسط الكبير الجديد، أو صفقة القرن، حسب المطروح إعلامياً.

وحيث أن التحليل والفهم يتطلب التفكيك إلى أجزاء، يتداخل فيها الاستنباط والاستنتاج، فمن الأجدى تناول رؤية ومواقف الدول الراهن تجاه ليبيا وأزمتها.

أولاً، دول الطوق الشمالي (مصر، تونس، الجزائر):

هذه الدول الثلاث يهمها جداً استقرار ليبيا، لأن عدم استقرار ليبيا يكون مهدد جداً لأمنها من حيث توطن وانطلاق الإرهاب والإجرام وتهريب السلاح.

وأيضاً، لأن استقرار ليبيا مفيد اقتصادياً بإمكانية استيعاب نسبة معتبرة من العمالة العاطلة في تلك الدول مما يخفف من البطالة المزعجة ويوفر تحويلات نقدية تحتاجها تلك الدول ويفتح باب السوق الليبية لاستهلاك واستيراد منتجاتها الضرورية لتحريك عجلة اقتصادياتها.

مع فرص واعدة للمشاركة في التنمية وإعادة الإعمار. وهذا في صالح كل الأطراف ويعزز العلاقات والاستقرار، وهو مطلوب وضرورة إقليمية لليبيا وجوارها القريب.

كما أن هذه الدول الثلاث نجحت بنِسَب متراوحة في تطويق الإرهاب، عبر محاربته وإقامة مناطق عازلة عريضة داخل ليبيا.

غير أن هذه الدول الثلاث لازالت تعاني فعلياً، إرهاقاً واستنزافاً، من تواصل تدهور الاستقرار السياسي والأمني في ليبيا، والذي في جزء منه بسبب التدخلات الإقليمية والدولية للأطراف الأخرى الأبعد جغرافياً.

إلا أن التنافس وعدم التناسق بين هذه الدول الثلاث (وترجيحاً بين مصر من جهة، والجزائر وتونس من جهة أخرى) واتباعهما للمعادلة الصفرية بدلاً من التكاملية (حالة ربحربح للجميع) يساهم ويفتح الباب أكثر للأطراف الأبعد لمزيد من التدخل وعدم الاستقرار.

جزء من ذلك هو التخوفات المتبادلة وتضارب وتقاطع مخططات مجالات النفوذ المستقبلية، وأيضاً لاختلاف وتباين مواقف تلك الدول تجاه الإسلام السياسي، وبالذات مع الأخوان المسلمين، بناء على المعطيات الداخلية في تلك الدول.

ثانياً، دول الجوار الجنوبي (تشاد، النيجر، السودان، مالي، وباقي دول الساحل):

عوامل التأثير والتأثر مع المحيط الجنوبي لليبيا، تتمثل في: انهيار الحماية الحدودية الطويلة والبعيدة، انتشار السلاح، تجارة وتهريب البشر والسلع والمخدرات (معظم دول الجنوب الليبي مغلقة لا منافذ بحرية لها، وأقرب موانئ لها تتواجد في شمال ليبيا)، الفقر والجفاف والتصحر والانفجار السكاني، استغلال وانتشار الإرهاب المنظم من قاعدة وداعش وبوكو حرام، توطن قبائل بدوية رحل كبيرة وعابرة لحدود الأوطان (بسبب خرائط دول ما بعد الاستعمار) المتورطة في حروب متواصلة وطويلة لعشرات السنين.

لدرجة أن أبناء تلك القبائل يعتبرون ويعتقدون أن الحرب هي الحالة الطبيعية للحياة، وتأسيسها لحركات تمرد مسلحة قبلية فعالة وسريعة وعنيدة، لأن أجيالها المتلاحقة لم تعرف إلا التحارب المتواصل بينها أو مع الحكومات المركزية كوسيلة متاحة مثلى للعيش والنجاة.

العوامل السابقة، مع ضعف وتشتت الدولة في الجنوب الليبي، وقلة وفراغ وتناحر الساكنة الليبية قبلياً وسياسياً ورزقياً، والغنى النسبي الليبي مقارنة بتلك الدول، دفع أجزاء كبيرة من تلك القبائل للرحيل والهجرة والتوطن شمالاً هروباً من الظروف الصعبة، وتلبية لدعوات المساندة لامتدادتها القبلية الليبية.

وأيضاً، سعي وجهد بعض حكومات دول الجوار الجنوبي لدفع القبائل والقوات المتناحرة والمتمردة شمالاً لتتحارب في ليبيا، وبالتالي تجني وتحقق بعض الاستقرار في بلدانها، وتتخلص من بعض الجماعات السكانية والمجموعات المتمردة، بنقل ساحة القتال.

ويضاف إلى ذلك استغلال بعض الدول المصدرة والمستقبلة للمهاجرين للاستفادة من الوضع الليبي بتطويق ونقل مشكل الهجرة الجماعية من الجنوب إلى الشمال الأوروبي، بكل تعقيداتها ومسئولياتها وتكاليفها الإنسانية والاقتصادية والهوياتية، باتخاذ ليبيا قاعدة توطين أو ممرا مزمنا أو مركزا لإجراءات الهجرة المعقدة والمتداخلة. وهنا هناك، دور وتدخل أوروبي في المسألة.

بخصوص السودان، يمكن جزئياً ضمها لدول الطوق الشمالي.

ثالثا، موقف دول الخليج الثلاث (السعودية، الإمارات العربية المتحدة، قطر):

معلوم أن هناك حالة استقطاب حادة وحرب باردة بين السعودية والإمارات من جهة، وقطر في الطرف المقابل. ويمارس هذان الطرفان تحاربا ساخنا بالوكالة في ليبيا، يحاول كل طرف هزيمة الآخر عبر وكلائهم المحليين.

فتدعم السعودية والإمارات محاربي الإسلام السياسي، وبالأخص الإخوان المسلمين، في حين تساند قطر الاسلام السياسي وفي مقدمتهم الإخوان المسلمين. مع دعم السعودية لتيارات سلفية متشددة، مطيعة لفتاوي وتوجيهات السعودية، وموالية للحاكم الليبي المتغلب والمسيطر على الأرض، والمعترف به.

هناك جانب مهم، ربما يتواجد تيار في بعض الدول الخليجية يؤخر استقرار ليبيا الديمقراطي وازدهارها الاقتصادي لعرقلة تحولها لنموذج سياسي ومنافس اقتصادي، كمرفأ لتجارة العبور ومقر استثماري تتوطن فيه شركات ومناشط اقتصادية ومصرفية وسياحية، وذلك لتوفر ليبيا على ميزة تنافسية اقتصادية قوية مقارنة ببعض الدول الخليجية، متمثلة في قربها وربطها بين أوروبا المتقدمة ومحيطها الإقليمي والإفريقي كسوق كبير متنامٍ، مع وجود موارد مالية ونفطية وبشرية ليبية كافية وقادرة على تأسيس البنية التحتية والإدارية اللازمة.

مع الانتباه إلى أن استطالة الأزمة الليبية تبذر وتحرق الموارد والمدخرات الليبية، وتًخيف وتطرد الاستثمارات الدولية من ليبيا، وبذلك تحقق جزءا من المستهدف.

رابعاً، القوى الأوروبية والدولية (إيطاليا، فرنسا، بريطانيا، الولايات المتحدة، روسيا، وتركيا):

إيطاليا:

هناك ارتباط تاريخي ثقافي اقتصادي بين ليبيا وإيطاليا، وبالتالي سياسي قوي بحكم سطوة قانون الجغرافيا وأحكامها، وهذا لا يمكن أن تلغيه الرغبات والعواطف، سواء كانت إيجابية أو سلبية. فالعلاقة البينية بين ليبيا وإيطاليا إما أن تكون حالة تعاون أو حلقة تنافر، والأفيد للطرفين هو التعاون.

كما أن لهذا الترابط ميزة تبادلية، هو العلاقة بين البلدين لها ميزة تفضيلية، لأن باقي القوى الأوروبية والقوى الدولية الفاعلة في الشأن والأزمة الليبية غالباً ما تكون لديها أولويات دولية أخرى تنافس وتسبق وتزيح ليبيا للدرجة الثانية أو الرابعة أو حتى متأخرة الأسبقية بحكم الروابط الأخرى.

غير أن وضع إيطاليا المميز يعاني من مزاحمة قوية من قوى أوروبية أخرى، وبالأخص فرنسا. ليس لأن ليبيا دولة مهمة جداً لتلك الدول، بل لأن انخراط تلك الدول في ليبيا يزيد من موقفها التفاوضي والتساومي في الملفات الإقليمية والدولية الأخرى مع القوى الدولية سواء في الشرق الأوسط وإفريقيا.

بمعنى، وكمثال، فعندما تتعامل روسيا مع ليبيا تفكر في المحافظة على نفوذها في سوريا، وفرنسا تفكر في مجال نفوذها الإقليمي التاريخي في المنطقة المغاربية والإفريقية. وهكذا الأمر لأمريكا وبريطانيا، في حين لا تتوفر لإيطاليا تلكم التوازنات والتسويات بالنسبة لليبيا، التي كرقم “1” لإيطاليا في الفضاء الإفريقي والشرق أوسطي. وفي هذا ميزة لليبيا.

فرنسا:

انخراط فرنسا في ليبيا أكثر ظهوراً. وهي تميل كما هو واضح لجانب طرف على حساب طرف. فبالرغم من أن فزان كانت تحت الإدارة الفرنسية بُعيد الحرب العالمية الثانية، وأن فزان تجاور مستعمرات فرنسية سابقة، وتحديداً تشاد والنيجر، حيث لا زال لفرنسا حضور ونفوذ قوي بهما، إلا أن الظهور الفرنسي في برقة، قد يفسر إما أنه دائرة نفوذ جديدة أو كورقة تسوية لضمان مجال في فزان.

مع نجاح نسبي لفرنسا لتضييق حيّز تحرك إيطاليا في برقة، ومحاولة حصر تحركاتها في طرابلس فقط، أو لعجز ايطاليا عن خلق توازن علاقات سياسية فعالة بين ومع طرابلس وبرقة، في نفس الوقت.

بريطانيا:

تاريخياً، وباعتبار أحداث ونتائج الحرب العالمية الثانية، فالجيش الثامن بقيادة مونتجمري هو الذي هزم الإيطاليين وحلفاءهم الألمان في ليبيا، لتدير بريطانيا شمال ليبيا لعشر سنوات، وتساهم في الاستقلال الليبي وتأسيس الدولةإثر إخفاق مشروع بيفنسفورزا لتقاسم الوصاية ثلاثياً على ليبيا (برقة: بريطانيا، طرابلس: إيطاليا، فزان: فرنسا). لتقيم بريطانيا قاعدة عسكرية في طبرق.

وهكذا، منذ ذلك الوقت، تحولت ليبيا تدريجياً ونسبياً للمجال الانجلوساكسوني (بريطانيا والولايات المتحدة) سياسياً وثقافياً. فحتى أثناء وبعد المرحلة السبتمبرية كان الدور البريطاني والأمريكي حاسماً في تهميش فإعادة تأهيل ودمج ليبيا في المنظومة الدولية بعد لوكربي.

غير أن الدور البريطاني على محوريته قبل وخلال فبراير وبعدها، غير ملحوظ في السطح، لدرجة أنه غامض ومحير. ويفسر البعض أن تأخر التدخل الفاعل والظاهر لبريطانيا في الأزمة الليبية هو مؤشر على أن مرحلة الذروة والحسم ما زال أمامها بعض الوقت.

طبعاً، بريطانيا لها حسابات وتوازنات والتزامات إقليمية في الشرق الأوسط.

الولايات المتحدة الأمريكية:

وضعها ومحوريتها تجاه الشأن الليبي شبيه جداً ببريطانيا، مع فرق درجة سيادة الولايات المتحدة العالمية كقوة عظمى أولى. وباعتبار ذلك، فنظرة الولايات المتحدة عادة أكثر وزناً وشمولية ومسئولية دولياً.

وضمن ذلك السياق، يلاحظ أن الأزمة الليبية تأتي في ترتيب لاحق ومتأخر بعد أزمات الشرق الأوسط (الفلسطينية/ الإسرائيلية، الخليجية الإيرانية، السورية، العراقية، اليمنية، الأفغانية) وكوريا الشمالية وأمريكا الجنوبية.. مع مواصلة تركيز الولايات المتحدة على تعقب ومهاجمة بؤر الإرهاب في ليبيا.

روسيا:
فهم الدور الروسي الليبي في ليبيا يتطلب ربطه بالانخراط الروسي الكثيف في أحداث سوريا، واحتياج روسيا لصون مكتسباتها في سوريا، عبر الموازنة بانخراط تكتيكي مساوم في ليبيا. وأيضاً، سعي روسيا لضمان ارتباط الجيش الليبي التسليحي بروسيا.

تركيا
تسعى تركيا في عهد اردوغان لتقديم نفسها نموذجا للإسلام السني المتأقلم والمقبول والمتفاعل دولياً، وهذا المشروع له جمهوره في المنطقة، بما فيها ليبيا. وهو المشروع الذي يعاكس وينافس المشروعين المصري، والسعودي/ الإماراتي (على اختلافهما).

ومن هنا يفهم انخراط تركيا في ليبيا، وأيضاً جهد تركيا لتوظف تدخلها في ليبيا ضمن أحداث المنطقة على اتساعها.

هذا وجهة نظر لمختصر مبدئي ومبسط لموقف وتموضع الدول المنخرطة في الشأن الليبي وأزمته الوجودية، التي تدعو وتطلب من الساسة الليبيين والمتعاطين مع الشأن العام، وبالأخص المحتكين بالعلاقات الدولية، أن تكون لديهم رؤية واعية شاملة لتلك التعقيدات وكيفية توظيفها تكتيكياً واستراتيجياً.

وأخيراً، الأزمة الليبية قد تكون مسألة استقرار، وقد تكون قضية مصير وطن معرض للانقسام الفعلي أو تقاسم النفوذ. وهذا يرجع كثيراً لإرادة الليبيين السياسية.

وهكذا هو التاريخ.

________________