Minbar Libya

دراسة في أسباب التحول

بقلم محمد فتوح

بدأ التيار المدخلي في الانتشار بالمملكة العربية السعودية منذ حرب الخليج الثانية، وقد كان هذا التمدد في اتجاه مضاد لتيار الصحوة الذي انتشر وذاع صيته في هذا الوقت. على إثر ذلك؛ تولى محمد أمان الجامي المدرس في جامعة المدينةوتلميذه ربيع بن هادي المدخلي مهمتين أساسيتين؛

الأولى: التبرير للسلطة السعودية والأسرة المالكة في قرارها لاستقدام قوات أمريكية إلى الأراضي السعودية،

والثانية: تشويه خصوم السلطة السياسيين لاسيما الإسلاميين الحركيين

الجزء الأول

ما لبثت أن انتشرت الجامية في أرجاء العالم الإسلامي، ضمن موجة من الانتشار السلفي العام والذي بدأ من سبعينات القرن الماضي، وقد ساعدت الحكومات المختلفة على احتضان الفكر المدخلي وتنميته على وجه الخصوص، لطاعته للسلطة وسهولة توظيفه السياسي والديني.

كانت ليبيا جزءًا من هذا المد السلفي المدخلي، ولكن سطوة القذافي لم تسمح بتمدد للإسلاميين باختلاف أشكالهم في الداخل الليبي، سوى مجموعات صوفية تقليدية هي إرث الحركة السنوسيّة.

لكن هذا ما سيتغير في أخر عهد القذافي، إذ عمل على احتواء المداخلة بالتنسيق من خلال ابنه “الساعدي القذافي” والذي برز في آخر عهد القذافي بصورة سلفيّة، وبات يُعلن التمكين للدعوة السلفية التي حُرمت منها ليبيا وآن لها أن تنتشر.

واستطاع الساعدي أن يتوغل في لوبيات المداخلة ويكون علاقات متينة مع التيار المدخلي السعودي، وهو ما ساعده لأن يستصدر فتوى مناوئة لثورة 17 فبراير خرجت من الأصوات المدخلية، وبثتها القنوات الرسمية للدولة، لكن هذا لم يمنع الثورة لأن تنتصر ويتم القضاء على القذافي.

وجد المداخلة أنفسهم في موطن ضعف بعدما لفظهم الناس لموقفهم المعادي للثورة، وتحت ضغط الخوف عمل المداخلة على تنظيم أنفسهم على مستوى البلاد واهتموا بإنشاء المدارس والمكتبات وحاولوا بكل الطرق الاستيلاء على مناصب وزارة الأوقاف.

بعد الثورة، طرأ تحول غير معهود على المداخلة وهو مشاركتهم في الحياة السياسية بعد تحريمهم لممارستها، لكن هذه المشاركة كانت من منطلق الصدام مع الإسلاميين. فقد أخذ المداخلة فتوى من رأس التيار في السعودية “ربيع بن هادي المدخلي” بالمشاركة في انتخابات المؤتمر الوطني، لكن مشاركتهم كانت ضد التيار الإسلامي المتمثل في تيار الإخوان المسلمين، وبقية التيارات المناوئة مثل الجماعة الليبية المقاتلة، إذ ينطلق المداخلة من أن الإخوان المسلمين أخطر الفرق الإسلامية، وهم أخطر على المسلمين من اليهود والنصارى!

وبعد انقلاب خليفة حفتر في الرابع عشر من فبراير 2014 أصبح المداخلة أحد أهم القوى الضاربة لحفتر، وتشكلت ألوية وكتائب تقاتل في جيشه، وعمل العديد منهم مليشيات موت واغتيالات خاصة، مع سيطرة منهم على عدد من السجون الليبية والمدارس وأغلب المساجد، حتى توزعت قوتهم بين منطقة الشرق والوسط والغرب، وأصبح الشرق بأكمله تحت سيطرتهم، بينما تشهد باقي المناطق مساحات جذب متبادلة.

ترصد هذه الورقة العوامل الداخلية في فكر المداخلة التي أدت إلى هذا التحول، كما تسلط الضوء على بعض العوامل الخارجية والإقليمية، وتشابكات الفتوى في الفضاء المدخلي الليبي. وتنتهي باستشراف للحالات التي يمكن أن تؤول لها المدخلية الليبية.

تحول المداخلة، مع مرور الوقت، من حركة مهادنة للدولة، ويستطيع نظام القذافي توظيفها، إلى حركة مضادة للثورة. فما لبث المداخلة بعد الثورة أن يتكتلوا لفرض سيطرتهم الدينية في الفضاء الليبي. وهو ما جعلهم يستميتون لحيازة هيئة الأوقاف. وحينما عُين الصادق الغرياني مفتيًا لليبيا بعد موقفه الإيجابي من الثورةلم يلتزم المداخلة بتعليمات وزارة الأوقاف ودار الإفتاء في ليبيا. وهو ما دفع الغرياني لمراسلة هيئة كبار العلماء في السعودية للحد من هذا السلوك السيئ، إذ يقبع عامة مرجعياتهم الشرعية في المملكة.

على التوازي من الصدام مع الدولة دخل المداخلة في صدام مع كل الطوائف الدينية، وعلى الرأس منها الحركات الصوفية – صاحبة الإرث التاريخي الأهم في ليبيا – وعملوا على تفجير قبر الإمام السنوسي، مؤسس الطريقة السنوسية والتي ينتمي إليها عمر المختار، ووالد الملك السنوسي أخر ملوك ليبيا قبل انقلاب القذافي.

لكن الأمر سيتطور كثيرًا مع انقلاب 2014 والذي قام به خليفة حفتر، ليتحول المداخلة إلى قوة ضاربة تستمد شرعيتها من قتالها للإسلاميين بوصفهم (خوارج وإخوان ودواعش) في صف حفتر باعتباره وليّ أمر، كما يستمد هو بعض الشرعية الدينية منهم.

في المقابل من هذا أُطلقت يد المداخلة في الفضاء الديني للتصرف كما شاءوا، وهو ما جعلهم يستولون على عدد كبير من المساجد لاسيما في المناطق التي استولوا عليها بالكلية وهي الشرق، ثم قلب ليبيا. بينما يظل الغرب الليبي – متمثلا في العاصمة طرابلس – في مرحلة شد وجذب بين تقدم المداخلة وانحسارهم، ففي الغرب يقع مقر حكومة الوفاق الوطني –المعترف بها دوليابرئاسة فايز السراج مع أطراف المعارضة لحفتر، وتحظى بتمركز بعثة الأمم المتحدة، مما يجعلها إلى الآن مستعصية على إحكام حفتر لقبضته عليها.

تتألف شبكات الفتوى المعتمدة في ليبيا من الرموز المعروفة للمداخلة حول العالم. إذ يبرز على الدوام اسم “ربيع بن هادي المدخلي” في السعودية و”محمد سعيد رسلان” في مصر. وسيبرز اسم الأخير في حادثة قتل الشيخ نادر العمراني بالتحريض من أحد تلاميذه، وهو ما سينكره رسلان. وسنُحلق في نهاية الدراسة ملحق بأبرز المشايخ الفاعلين من المداخلة في ليبيا.

أما الفضاء الديني فيقوم على الإقصاء لكل مخالف، وقد استحدثوا بعض الهيئات الإجبارية على تنفيذ المخططات الدينية على منوال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المملكة، وعمدوا بها إلى فرض نمط وحيد من التدين، وإجبار الناس عليه. مع بطش في التنكيل بالخصوم، وهو ما برز في السجون التي تولى المداخلة إدارتها مثل سجن قرنادة وسجن معيتيقة. إذ عمد المداخلة إلى التنكيل بالمساجين والمسجونات على حد السواء.

وسوف نرصد هنا العوامل الذاتية في فكر المداخلة وكذلك الإقليمية التي حولت التيار المدخلي إلى مليشيا للموت في ليبيا واليمن كذلك.

العوامل الذاتية لتحويل المدخلية لمليشيات

تعددت العوامل التي أدت إلى تحويل المداخلة من حركة دينية محافظة إلى مليشيات مسلحة في اليمن وليبيا، وتنوعت هذه العوامل بين عوامل ذاتية، مرتبطة بفكر المداخلة على وجه الخصوص. وأخرى إقليمية، مرتبطة بالتغيرات التي تشهدها المنطقة العربية.

وتكمن أبرز العوامل الذاتية التي يسرت عملية التوظيف للمداخلة في صراع مُسلح:

الغلو في مسألة “طاعة ولي الأمر”

يُغالي التيار المدخلي على وجه العموم من تعظيم الحكام والسلاطين، ويُوجب طاعتهم على الدوام. مهما بلغ هؤلاء الحكام من السفه والفجور أو المظالم وإيراد بلادهم المهالك، فهو لا يُحاسب عند المداخلة، وإنما يجب طاعته والدعاء له في العلن ونصحه في السرّ دون تقريب الناس عليه، وإن وصل به الأمر لقتل ثُلثي شعبه من أجل مصلحة يراها فلا يُنكر عليه، كما صرح بذلك أحد شيوخ المداخلة.

يتصل بهذه النقطة مسألة الخروج على الحكام وإنكار المداخلة للخلاف الفقهي القديم في حالات تقويض سلطان الحاكم الفاسق، فضلا عن المرتد عن الإسلام؛ على الرغم من ممارسة الصحابة والتابعين لعمليات تقويم لأفعال الحكام الخارجة عن الإسلام، لكن الغلو في فكرة الطاعة، أيًّا ما كان صلاح الحاكم من عدمه؛ وربط هذه الفكرة على الدوام بالاعتقاد؛ كان لها أشد الأثر في ترسيخ استبداد الحُكام، ومسايرتهم في أوامرهم والتبرير لها بل والعمل تحت لوائها وإن طالت الدماء والأعراض والقمع.

***

محمد فتوح ـ باحث مصري، مهتم بقضايا الاجتماع السياسي وقضايا الحركات الإسلامية المعاصرة

__________________