Minbar Libya

بقلم جازية جبريل محمد

الهوية في مقام البحث، هي التعريف الجامع المانع الذي يميز المعرف عما سواه من المتشابهين معه، وهي بشأن الدول ما تعبر به الدول عن نفسها ليميزها عما سواها من الدول الأخرى.

.

الجزء الثالث

ثالثاً: الحماية الجنائية للهوية السياسية

يعد النظام السياسي من المقومات الثانوية للدولة الليبية لتعرضه للتغيير ولتعبيره عن هوية الدولة أكثر من هوية الأمة الشعب“. وبالطبع يعبر عنه ابتداءً في الدستور.

فقد عبرت المادة الثانية من دستور 1951 بأن ليبيا ملكية وراثية شكلها اتحادي ونظامها نيابي. أما الإعلان الدستوري 1969 فقد وصفت المادة الأولى منه ليبيا بأنها جمهورية عربية ديمقراطية ثم قرر إعلان قيام سلطة الشعب في 1977 بأن ليبيا هي الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية وأن السلطة الشعبية المباشرة هي نظامها السياسي.

أما الإعلان الدستوري 2011 فقد رأى أن ليبيا دولة ديمقراطية مستقلة. وقد خصها مشروع الدستور بأنها دولة مستقلة لا تقبل التجزئة ولا يجوز النزول عن سيادتها أو أي جزء من إقليمها تسمى الجمهورية الليبية يقوم نظامها السياسي على مبادئ التعددية السياسية.

في هذا المقال، نرصد مواكبة القانون الجنائي لهذا التغيير المستمر في محل الحماية المتمثل في النظام السياسي وما يرتبط به من رموز.

في عهد الملكية كانت المواد الجنائية تقضي بحماية الهوية السياسية للدولة، وهي الملكية. ونجد ذلك واضحاً في نصوص التجريم المتعلقة بالاعتداء على الملك أو الملكة أو ولي العهد أو أحد الأوصياء (المادة 190 عقوبات) أو الاعتداء على حرياتهم (191) أو العيب في الذات الملكية (192) كذلك توجيه اللوم علانية للملك (193) والتطاول على مسند الملكية (194). وتتراوح العقوبات من الإعدام إلى السجن.

كما نصت المادة 203 عقوبات على أن يعاقب بالإعدام (كل من يرتكب فعلا غايته إثارة حرب أهلية في البلاد، أو تفتيت الوحدة الوطنية أو السعي للفرقة بين مواطني الجمهورية العربية الليبية) وتعاقب المادة 205 (كل من أهان علانية الأمة الليبية أو العلم الوطني أو شعار الدولة) بالسجن مدة لا تزيد عن ثلاث سنوات.

وفي القانون الجنائي تشمل عبارة العلم الوطني علم الدولة الرسمي وكل علم آخر يحمل الألوان الوطنية وتطبق أحكام هذه المادة أيضاً على من أهان الألوان التي ترمز مجتمعة للعلم الوطني.)

وفي عهد النظام السابق، جنح المشرع الجنائي إلى حماية الهوية السياسية للدولة من خلال تعديل نص المادة 195 عقوبات بالقانون رقم 5 لسنة 1983م بحيث أصبحت تعاقب بالسجن على (إهانة قائد ثورة الفاتح من سبتمبر أو السلطة الشعبية أو إحدى الهيئات القضائية أو القوات المسلحة ….).

وبعد 2011، ظهرت هوية سياسية ثورية. ولذلك نص على تجريم ما من شأنه المساس بثورة 17 فبراير وذلك عبر الإقرار بعقوبة السجن جزاء جنائيا لهذا الفعل (المادة الثانية من القانون رقم 37 لسنة 2012).

إلا أنه قضي بعدم دستوريته لأنه كان يضيف أيضاً تجريم تمجيد الطاغية وهو تجريم مخالف لحق التعبير بوصفه من أهم حقوق الإنسان، مما دعا المؤتمر الوطني إلى إصدار القانون رقم 5 لسنة 2014 بتعديل المادة 195 من قانون العقوبات ليصبح نصها:

(مع عدم الإخلال بأي عقوبة أشد، يعاقب بالسجن كل من صدر عنه ما يشكل مساسا بثورة السابع عشر من فبراير، ويعاقب بذات العقوبة كل من أهان علانية إحدى السلطات التشريعية أو التنفيذية أو القضائية أو أحد أعضائها أثناء تأديته للوظيفة أو بسببها أو أهان شعار الدولة أو علمها).

وبالسؤال عن الهوية السياسية للأفراد بمعنى موقفهم السياسي ومدى الحماية التشريعية المكفولة للتعبير عنه حتى لو كان مخالفا لهوية الدولة السياسية، ومدى ما يمنح من حرية ممارسة باقي الحقوق السياسية المنصوص عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

قامت أغلب الوثائق الدستورية الليبية وكما أسلفنا بحظر التمييز بين الليبيين بسبب الآراء السياسية. أما بشأن باقي الحقوق والحريات السياسية، فقد نهج دستور 1951 تضمينها بنحو ما، حيث قرر أن حرية الفكر مكفولة ولكل شخص الإعراب عن رأيه وإذاعته بجميع الطرق والوسائل بما لا يخالف النظام العام أو ينافي الآداب في المادة 22 منه.

أما الإعلان الدستوري 1969، فقد قرر في المادة 13 منه أن يكون أكثر محدودية في نطاق حرية وأكثر تشددا في شروطها: فحرية الرأي مكفولة في حدود مصلحة الشعب ومبادئ الثورة.

أما الإعلان الدستوري المؤقت 2011 فقد قرر ترك تحديدها للسلطة التشريعية وذلك في مادته 14 التي نصت بأن حرية الرأي والتعبير الفردي والجماعي مضمونة بما لا يتعارض مع القانون.

ولعل مشروع الدستور كان الأكثر غموضاً حين قرر أن يربط حرية الكلمة بالأمانة، كما إنه قيد حق التعبير والنشر بما لا يتعارض مع أحكام الدستور. وهناك من يرى أن هذا الشرط يحيل إلى الحكم الدستوري الخاص بمكانة الشريعة وبالتالي سيتقيد الحق في التعبير بما يراه القائمون على تطبيق القانون وممارسة القضاء من مبادئ الشريعة الإسلامية.

وبتسليط الضوء على السياسة الجنائية في مواجهة تعبير الشخص عن هويته السياسية، نرصد إضفاء حماية جنائية على الحقوق السياسية للمواطن في نص المادة 217 من قانون العقوبات الليبي حيث تعاقب بالحبس (كل من منع الغير من ممارسة حق سياسي منعاً كلياً أو جزئياً بالعنف أو التهديد أو الخداع، وكذلك من حمل الغير على ممارسة ذلك الحق على وجه يخالف إرادته).

وهذا التجريم يعد سياسة محمودة من قبل المشرع الجنائي الليبي. إلا أنه متى كانت الهوية السياسية للمواطن مخالفة للهوية السياسية للدولة فتكشف مواد القانون الجنائي العام والخاص بإتباع سياسة غير متسامحة، حيث تعد ذلك التعبير سلوكاً مهددا للمصلحة العامة المتمثلة في الهوية الوطنية للدولة، ومن ثم تقوم بتجريمه، مع تباين في ذلك التجريم من حيث مداه ومن حيث مقدار الجزاء المترتب عليه.

فالمادة 207 من قانون العقوبات تذهب حدّ المعاقبة بالإعدام لكل (من يروج في البلاد بأي طريقة من الطرق نظريات أو مبادئ ترمي لتغيير مبادئ الدستور الأساسية أو النظم الأساسية للهيئة الاجتماعية …. وتعاقب بالسجن المؤبد كل من حاز كتباً أو منشورات أو رسومات أو شعارات أو أي أشياء أخرى بقصد تحبيذ الأفعال المذكورة …).

وهي سياسة جنائية غير رشيدة كونها توسع نطاق التجريم ليشمل حيازة كتب بها نظريات سياسية أو اقتصادية مغايرة لتلك المتضمنة في دستور البلاد.

وهذا السلوك من قبل الأفراد يفترض أن يكون مباحاً لا سيما وإن العصر المعلوماتي حالياً يتعذر معه ضبط أو تقنين الحيازة الإلكترونية للكتب بصنوفها.

ولعل من مظاهر السياسة الجنائية غير المحمودة ذلك القرار الصادر في ديسمبر 1969 عن مجلس قيادة الثورة بشأن حماية الثورة حيث تعاقب المادة الثانية منه بالسجن على ترويج الإشاعات أو الروايات عن الوضع السياسي أو الاقتصادي للبلاد، وهو المسلك الذي توسع لدرجة تجريم (الإشاعة والإرجاف والنكتة المغرضة التي من شأنها إلحاق ضرر بالمجتمع).

والغريب أن يستمر هذا النهج المتشدد بعد ثورة فبراير. فقد صدر القانون رقم 37 لسنة 2012 بشأن تجريم تمجيد الطاغية وعاقب من خلاله بالسجن كل من قام بالثناء على القذافي ونظام حكمه وأفكاره وأولاده وتمجيدهم وإظهارهم بمظهر الصلاح أو البطولة أو الإخلاص للوطن. هذا النص وبعيداً عن عدم دستوريته لأنه مخالف لأبجديات حقوق الإنسان فإنه معيق للمصالحة الوطنية من حيث أنه يجرم أفعالا يراها طيف من الليبيين واجبا وطنيا، وهو أسلوب عقيم جداً في مواجهة تلك التمظهرات من قبل أنصار النظام السابق.

أما عن حق تكوين الأحزاب السياسية، فقد كان دستور 1951 أميل إلى الافتئات عليه حيث قررت المادة 26 منه حق تكوين الجمعيات السلمية. أما الجمعيات السرية والجمعيات ذات الأهداف السياسية فلا يجوز تكوينها.

وأغفل إعلان 1969 تضمينه على عكس إعلان 2011 الذي يصرح في المادة 15 منه بحرية تكوين الأحزاب. بينما تضمن مشروع دستور 2017 نصا مميزا وذلك في المادة 40 منه: “لكل مواطن حق اختيار توجهاته السياسية وتضمن الدولة حرية تكوين الأحزاب السياسية القائمة على الوحدة الوطنية وشفافية التمويل ونبذ العنف وخطاب الكراهية ولكل مواطن حق الانضمام إليها أو الانسحاب منها دون أي تمييز“.

ويترجم القانون الجنائي الليبي تلك السياسة الدستورية المتباينة من خلال سياسة جنائية متغيرة تتأرجح بين التجريم والإباحة. ففي نوفمبر 1959، أصدر الملك مرسوما يجرم إنشاء الأحزاب من خلال تعديل نص المادة 206 عقوبات.

وفي مايو 1972، صدر قانون رقم 17 بشأن تجريم الحزبية حيث عدّ الانضمام للأحزاب خيانة في حق الوطن متى قام الحزب على فكر سياسي مضاد لمبادئ ثورة الفاتح من سبتمبر.

وقررت المادة الثالثة منه الإعدام جزاء جنائياً لمجرد الدعوة إلى إقامة أي تجمع أو تنظيم أو تشكيل محظور بموجب القانون وكذلك كل من انضم أو حرض أو ساعد.

وذهبت المادة السابعة منه إلى جواز تشكيل محاكم خاصة بمحاكمة المتهمين بهذه الجرائم، واستمر العمل بهذا القانون المصادر على هذا الحق السياسي الهام بما قوض كل المساعي للمصالحة الوطنية بين انصار سبتمبر ومن يخالفهم وفي فبراير 2011 ما لبثت السلطة التشريعية الجديدة المجلس الانتقاليأن أصدرت القانون رقم 2 لسنة 2012 بشأن تجريم الحزبية، القاضي بإلغاء القانون رقم 17 لسنة 1972 بشأن تجريم الحزبية لتعارضه مع أهداف ثورة 17 فبراير.

ونعيب على هذا القانون من ناحيتين:

الناحية الأولى عنوانه إلغاء تجريم الحزبية أو بشأن إباحة الحزبيةحيث أن عنوانه الحالي يوحي بأن القانون يذهب إلى تجريم الحزبية لا إلى إلغاء تجريمها، وأما الناحية الثانية: فلم يكن من حسن السياسة التشريعية ربط الإلغاء بعلة التعارض مع أهداف ثورة 17 فبراير.

فهي علة قاصرة وكان يفضل ربطه بعلة متعددة وأولى بالذكر كتعارضه مع مبادئ الإعلان الدستوري المؤقت وبالتالي لوصمه بعدم الدستورية أو مخالفته لحقوق الإنسان السياسية ذات الصبغة العالمية وبالتالي لوصمه بانتهاك حقوق الإنسان.

البقية في الجزء الرابع

***

جازية جبريل محمد ـ أستاذة قانون في جامعة بنغازي

______________