Minbar Libya

بقلم جازية جبريل محمد

الهوية في مقام البحث، هي التعريف الجامع المانع الذي يميز المعرف عما سواه من المتشابهين معه، وهي بشأن الدول ما تعبر به الدول عن نفسها ليميزها عما سواها من الدول الأخرى.

.الجزء الرابع

رابعا: خلاصات

يمكننا تقييم السياسة الجنائية القائمة في النقاط الآتية:

في مجال حماية مقومات الهوية الوطنية للدولة

لاحظنا مدى استخدام السلطة التشريعية لعصا القانون الجنائي في بسط الحماية على تلك المقومات الأساسية والتي تم تحديدها وتضمينها في الوثيقة الدستورية النافذة.

ويتضح أيضاً إتباع المشرع الجنائي لسياسة جزائية متدرجة حسب المصلحة (مقومات الهوية) المراد حمايتها.

فقد كانت رادعة في سبيل حماية المقومات السياسية للهوية الوطنية للدولة وذلك من خلال اختيار الجزاءات القاسية المتمثلة في عقوبة الإعدام أو العقوبات السالبة للحرية طويلة المدة السجن المؤبد والسجن“.

وكانت سياسة المشرع الجنائي في سبيل حماية المقومة الدينية لهوية الدولة أكثر تسامحاً لعهد قريب.

فالاعتداء على دين الدولة بالسب أو الإهانة يواجه بالجزاء الجنائي المتمثل في الحبس الذي لا يتجاوز سنتين، ولا فرق في ذلك بين المسلم وغيره. أما ما صدر عن المؤتمر الوطني فهو في غاية التشدد في بسط الحماية الجنائية على هذه المقومة الهامة.

فجزاء الاعتداء الصادر من غير المسلمين هو الإعدام، أما الاعتداء الصادر من المسلم فالإعدام أيضا سيكون جزاؤه إذا تمثل في اختيار دين غير الإسلام ليدين به، أما ما دون ذلك من إساءة فالجزاء السجن الذي لن يكون أقل من ثلاث سنوات بأي حال من الأحوال.

أما مقومة العرقفقد كانت، الأقل أهمية عند المشرع الجنائي. فلم يبسط حمايته الجزائية عليها إلا في وقت متأخر نسبياً 1984 حيث بسط الحماية على اللغة العربية لدرجة تجريم كل تعبير عن الهوية بلغة غير عربية.

وهو توجه حمائي غير محمود لأنه وإن قصد به استبعاد اللغة الأجنبية التي قد تضيع الوطنية وتسهم في الاغتراب ونشر ثقافة الاستلاب، فإنه قد ضيق على الأقليات الأخرى ثقافياً وألغي حقها في استخدام لغاتها وهو إجراء تمييزي من قبل المشرع آنذاك.

والغريب أن هذا القانون ما يزال سارياً ولم يلغَ صراحة ولم ترفع بشأنه دعوى عدم دستورية لمخالفته لمبادئ الإعلان الدستوري المؤقت 2011. غير أن ما صدر بعد فبراير 2011 من قوانين تحتفي باللغة الأمازيغية وقرارات من بعض عمداء بلديات أمازيغية بشأن اعتماد اللغة الأمازيغية يشي بعدم القبولية المجتمعية لهذا القانون، وبالتالي وجوب إلغائه أو توسيع نطاق الحماية بشموليته لكل اللغات الليبية وعدم قصره على اللغة العربية.

في مجال حماية مقومات الهوية الوطنية للأفراد

يتضح لنا أن المشرع الجنائي الليبي لم يكن ميالاً لاحترام حقوق الإنسان المنصوص عليها في الدستور وفي المواثيق الدولية متى تعلق الأمر بالهوية السياسية للفرد المخالفة للهوية السياسية للدولة وتوجهاتها بل أنه اعتبر ذلك الشخص في حكم الجاني الذي يلزم معاقبته بأشد العقوبات، حيث يٌعد هذه المخالفة بمثابة خطر محدق ووشيك بمصلحة عليا أولى بالرعاية وهي مصلحة أمن الدولة في الاستقرار السياسي والأمن والأمان.

بينما كان أكثر تسامحاً بشأن احتفاء الأشخاص، أفرادا وجماعات بهوياتهم المختلفة.

فقد قرر التشريع الجنائي حماية مبكرة للأقليات من الازدراء بقصد إثارة الفتن. وتعززت هذه الحماية بإصدار القانون رقم 10 لسنة 2013 الذي واكب التوجهات الدولية في بسط حماية أكبر للأفراد في مواجهة التمييز بكافة صوره.

أما عن ممارسة الأفراد لشعائرهم الدينية فقد كانت الحماية الجنائية منصرفة للأفراد ذوي الديانات المختلفة كالمسيحية واليهودية مثلاً، ولم يتصور المشرع الجنائي إن المسلم يحتاج إلى حماية لممارسة شعائره الدينية.

غير أنه لا يوجد ما يمنع من تطبيق النص على المعتدي على الشعائر الإسلامية لمذهب بعينه.

ولعلنا هنا نذكر الطائفة الصوفية التي تقيم احتفالات وشعائر في المناسبات الدينية، وهي احتفالات لا تلقى قبولاً من قبل بعض الممثلين للشريعة الإسلامية في ليبيا من بعد 2011 مثل أنصار الشريعة أو السلفية.

وقد رصدت بعض الاعتداءات على الصوفية من تلك الفئات المتشددة في فترة غياب الدولة وانتشار العنف.

وبإمكاننا تبعا لكل ما تقدم، تقديم مقترح بما ينبغي أن تكون عليه السياسة التشريعية المعززة للمصالحة الوطنية:

في مجال حماية مقومات الهوية الوطنية للدولة، يفترض أن لا يستخدم المشرع الجنائي عقوبة الإعدام في سبيل حماية أي مصلحة من المصالح التي يراها أولى بالرعاية سواء كانت سياسية أو دينية وذلك لتناقض عقوبة الإعدام مع أهم مبادئ حقوق الإنسان، ويجب أن تقتصر الحماية على الثابت من مقومات الهوية السياسية مثل الشعب الليبي أو الأمة الليبية.

في مجال حماية مقومات الهوية الوطنية للأفراد، يفترض أن يكون المشرع الجنائي أكثر تسامحاً مع تعبير الأشخاص عن هويتهم السياسية وبشأن ممارسة الحقوق السياسية، من خلال تعديل المنظومة الجنائية بما يبعدها عن كونها مهددة بالإعدام والسجن لكل المعارضين للنظام السياسي ومقوّضة لمساعي المصالحة الوطنية.

ومن المفيد توعية الأشخاص أفرادا وجماعات بأهمية القانون رقم 10 لسنة 2013 بشأن تجريم التعذيب والإخفاء القسري والتمييز، وتفعيله من خلال تشجيع الضحايا على تقديم الشكاوى والبلاغات.

ولعل من المهم إقامة دورات تدريبية لمأموري الضبط القضائي وأعضاء النيابة لتعريفهم بالقوانين التي تعزز حقوق وحريات الأفراد وتحمي مقومات هويتهم.

***

جازية جبريل محمد ـ أستاذة قانون في جامعة بنغازي

______________