Minbar Libya

بقلم السنوسي بسيكري

نقترب من زهاء شهرين من إغلاق حقول وموانئ النفط في المناطق التي يسيطر عليها حفتر والتي تمثل نحو 70% من إنتاج البلاد من الخام الأسود، وصاحب هذا إغلاق مماثل في جنوب غربي العاصمة ليصل إنتاج النفط إلى أدنى مستوى له منذ العام 2011م، وهو 120 ألف برميل يوميا.

إعادة النظر في الموازنة بعد الإغلاق

كانت حكومة الوفاق قد أقرت الترتيبات المالية لهذا العام، وهي ميزانية استثنائية، بمبلغ يتجاوز الـ50 مليار دينار ليبي (السعر الرسمي للدولار هو 1.4 دينار)، غير أن توقف الإيرادات بعد إغلاق النفط دفع الحكومة إلى تبني ميزانية تقشفية وذلك بعد التشاور مع المصرف المركزي وديوان المحاسبة والاتفاق على ترتيبات مالية بإجمالي 38.5 مليار دينار ليبي، حيث تم اقتطاع نحو 3 مليارات دينار من بند المرتبات ليصبح في حدود 21 مليار دينار، ونحو مليارين من النفقات التسييرية وما يعادلها تقريبا من مخصصات دعم الوقود والكهرباء.

وبالنظر إلى الترتيبات المالية للعام 2019م والتي بلغت نحو 47 مليار دينار ليبي، يتضح أنه قد تم ضغط الإنفاق بنسبة تزيد على 17%، ويثير هذا الخفض تساؤلات مشروعة.

ففي ميزانية يزيد فيها الانفاق الاستهلاكي على 90% يذهب منها إلى بند المرتبات نحو 65% فإن 17% من الخفض إما أن يكون تعسفيا بشكل كبير قد يرتب تبعات اجتماعية لها انعكاسات سياسية مؤلمة، أو أن الإنفاق بأرقامه ونسبه المعهودة لا يمثل الاحتياج الحقيقي والاستهلاك الصحيح.

تحدي تغطية النفقات في ظل توقف الإيرادات

التحدي الأهم هو في كيفية تغطية هذا الحجم من الإنفاق في ظل توقف المورد الرئيسي للدخل وهو النفط والذي يشكل نحو 97% من الإيرادات العامة.

البديل الأساسي هو الاحتياطي النقدي، والذي أعترف أني أجهل كم قيمته وذلك في ظل التعتيم وغياب الشفافية.

ففي مناسبة قريبة عبر لقاء في قناة فضائية ليبية رفض محافظ مصرف ليبيا الإفصاح عن حجم الاحتياطي. ومجاراة للتقديرات المتداولة المتفائلة للاحتياطي يمكن القول إنه ما بين 50 و60 مليار دولار أمريكي.

وفي حال امتدت أزمة الإغلاق لعامين أو ثلاثة أعوام فإن الإنفاق العام يمكن أن يستنفد جزءا كبير من الاحتياطي، الأمر الذي سيكون له انعكاساته السلبية على الاقتصاد، في شكل ارتفاع معدلات التضخم وتدني سعر صرف الدينار.

لا تملك الحكومة بدائل لاحتواء الوضع المالي الصعب في حال طال أمد الإغلاق، فالإنفاق العام من النوع غير المرن، والإيرادات غير النفطية لا تشكل إلا رقما صغيرا جدا والتفكير في زيادتها في ظل انحسار النشاط الاقتصادي غير مجد، وبالتالي فليس أمام الحكومة إلا الرسوم على بيع الدولار.

ما لرسوم بيع الدولار وما عليها

لقد حققت الرسوم المفروضة على بيع الدولار بعد إقرار الإصلاحات الاقتصادية في الربع الأخير من العام 2018م، أي في 15 شهرا فقط، ما يزيد على 38 مليار دينار ليبي، وهو ما يعادل إجمالي الإيرادات العامة النفطية والسيادية خلال نفس المدة تقريبا.

في تقديري أنه في حال استمرت أزمة إغلاق موانئ النفط فإن خيار رفع نسبة الرسوم المفروضة على بيع الدولار سيكون ملحا جدا، وذلك بعد كان الاتجاه هو مزيد من الخفض حتى يتم الوصول إلى سعر الصرف التوازني.

ومن المتوقع أن يتم رفع النسبة من 167% إلى 200% ليصبح السعر الرسمي للدولار نحو 4.2 دينار، والذي هو أقل من سعره في السوق الموازية.

وفي حال تم إقرار هذه النسبة على بيع الدولار، ومع احتساب مبلغ مليار إلى مليار ونصف دينار كإيرادات الضرائب والرسوم وما في حكمها، فإن المصرف المركزي سيحتاج إلى سحب 9 مليارات دولار فقط من الاحتياطي، وذلك بديلا عن نحو 28 مليار دولار بدون الرسوم، ونحو 10.5 مليار وفقا لقيمة الرسم على بيع الدولار المعمول به في الوقت الراهن.

هذا في حال فرض هذه النسبة على كل دولار يخرج من خزائن المصرف المركزي، وهو ما لا يمكن تحققه لسبب بسيط وهو أن دخول ما يزيد على الـ70% من الليبيين محدودة ولا تتعدى في المتوسط ألف دينار ليبي ولا يمكنهم شراء الدولار بهذا السعر الاستثنائي.

وبالتالي ستستمر الحكومة في صرف علاوة أرباب الأسر البالغة 500 دولار للفرد في العام بسعر 1.4 دينار للدولار لتكون متنفسا للمواطنين وتخفف عنهم ضغوطات الموجة الجديدة من التأزيم المالي،

وهو ما يجعل الفاقد من الاحتياطي العام نحو 15 إلى 16 مليار دولار أمريكي في أفضل التقديرات تفاؤلا والمبنية على ضبط الإنفاق ولجم الفساد.

والخلاصة أنه في ظل الخيارات المحدودة جدا للتغيير في الميزانية سواء في بند النفقات بالخفض أو الإيرادات بالزيادة فإن عبء إغلاق النفط يتحمله المواطن، سواء في شكل ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية للدينار، أو من خلال تحمل القيمة الإضافية الكبيرة المفروضة على شرائه للدولار.

__________