Minbar Libya

بقلم زاهي المغيربي و نجيب الحصادي

نقف في هذه الورقة على الأطر النظرية المقترحة في أدبيات العلوم السياسية لتحليل عملية التحول الديمقراطي، كي نستعين بها في تشخيص التحديات التي تواجه هذه العملية في ليبيا، ثم نعرض مآلات قد يفضي إليها الفشل في إتمامها، وفرصا متاحة للحول دون فشلها، ونختتم بمحاولة تفسير تأخر الليبيين عن جيرانهم في طي صفحتهم الانتقالية.

الجزء الرابع

3 ـ وهن المؤسسة العسكرية وعجز الدولة عن السيطرة على الأمن

.ارتكز مفهوم الأمن الوطني لليبيا خلال فترة النظام السابق على أمن النظام، إذ تأسس على المحافظة على النظام السياسي وسبل تعزيزه وتقويته

وهناك العديد من المظاهر التي أكدت سيادة هذا المفهوم، نذكر منها تحييد المؤسسة العسكرية وحلها، وتشكيل قوات بديلة تحمي النظام، واعتماد التجنيد للمؤسسة العسكرية والمؤسسات الأمنية الأخرى على المصادر التقليدية، كالقرابة والولاء الأيديولوجي.

وبوجه عام، يمكن القول إن الثورة أطاحت بنظام أمني فشل في استيعاب مفهوم الأمن الإنساني، فهو:

أمن نظام وليس أمن وطن ولا أمن مواطن.

يستخدم الوسائل القهرية أكثر من استخدامه الوسائل السلمية.

لم ينجح في حل التناقضات المجتمعية، ولم يسع لخدمة المواطن وتحقيق الأمان له.

يرتكز على إسكات الأصوات المناهضة للظلم، ومصادرة الحريات وحقوق التعبير، وتعدد الأجهزة واستمرار تفريخها.

يضاعف التوتر والانقسام ويصعد الاحتقان والخوف، ويسهم في خلق شحنات غضب اجتماعي وسياسي لا يستطيع أحد التنبؤ بحجم وطرق انفجاره.

والأمور بعد الثورة لم تتحسن بأي شكل، بل ساءت من أوجه عديدة، والليبيون يعبرون عن قلقهم بسبب الأوضاع الأمنية بأكثر من أسلوب.

أكثر من ثلثي الليبيين يطالبون بمنع الانضمام إلى القوات المسلحة في شكل مجموعات منظمة، وبمنع التشكيلات العسكرية خارج إطار القوات المسلحة، وبمنع تدخل القوات المسلحة في الحياة السياسية.

أربعة من كل عشرة ليبيين يرون أن البلاد تحتاج إلى زعيم قوي، وتسعة من كل عشرة يعتبرون تفعيل الجيش والشرطة سبيل تحقيق الأمن.

باختصار، الأوضاع الأمنية في البلاد ليست مستقرة بما يكفي لسير عملية الدمقرطة. الحال أنها ليست مستقرة لسير الحياة نفسها، فحين يتزعزع الأمن تتزعزع ثقة المواطن في كل شيء.

رأس المال لا يرعبه شيء قدر ما يرعبه غياب الأمن، وفي غياب الأمن لا سبيل لقيام دولة المؤسسات، ولا لإعمال أحكام الدستور الذي يؤسس لقيامها. أما القيم فحظها في غياب الأمن ليس وافرا، فحين يكون هاجس المرء الحفاظ على حياته، لن يكون هناك متسع في ضميره للتراحم أو التسامح أو التكافل أو الإيثار أو الإنصاف.

ج ـ الأوضاع الاقتصادية المتردية

تشكل التنمية الاقتصادية حسب المقاربة الانتقالية دافعا حاسما لتحركات النخب المتنافسة صوب صياغة تسويات ديمقراطية، فيما تجمع المقاربات الثلاث على احتمال أن تقوض الأزمات الاقتصادية العملية الديمقراطية برمتها.

وفي الحالة الليبية يبدو أن التنمية الاقتصادية ليست عاملا قادرا بمفرده على تفسير تحركات النخب السياسية صوب صياغة تسويات ديمقراطية. غير أن الصراعات المسلحة، سواء كانت من أجل المصالح الاقتصادية أو من أجل فرض توجهات أيديولوجية بعينها، قد تضع البلاد على شفا أزمات اقتصادية تقوض عملية التحول الديمقراطي المرجوة.

ـ الاقتصاد الريعي والوفرة المالية

أدى تزايد دخل الدولة الليبية الناتج عن ارتفاع أسعار النفط خلال السبعينيات إلى سيطرة الدولة على الثروة الاقتصادية. وكان تدخل الدولة في الاقتصاد المحلي شاملا وعميقا، حيث هيمنت على القطاعين الصناعي والزراعي وتجارة الجملة والتجزئة، وامتلكت المصارف وشركات التأمين والخدمات الرئيسة الأخرى، فأصبح حوالى 75% من القوى العاملة يعملون في مؤسسات الدولة.

وقد أدى احتكار الدولة لعملية جمع الريع وتقييدها للأنشطة التي تسمح ببروز الشركات والمنشآت التنافسية المملوكة للقطاع الخاص إلى سعي المواطنين إلى القيام بأنشطة ريعية غير منتجة.

وعندما بدأت الدولة في تبنى إصلاحات اقتصادية في أواخر الثمانينيات، بدا واضحا تأثير هذه الأوضاع على إستراتيجية اللبرنة الاقتصادية.

وبسبب توفر الدخل النفطي، تمتعت الدولة الليبية بدرجة عالية من الاستقلالية أدت إلى التأثير على عملية بناء وتوسع الدولة في ليبيا.

فبعكس الأنماط التقليدية لإنفاق دول الرعاية الاجتماعية ذات الاقتصاديات المنتجة والمستندة على توسيع القاعدة الضريبية التي تعتمد على توسيع وتنويع قاعدة الدخل، أفضى الإنفاق في ليبيا إلى خلق بنى بيروقراطية كبيرة تتميز بالأداء التوزيعي، فيما ظلت قدراتها التنظيمية والاستخراجية عند الحد الأدنى.

وبسبب هيمنة الدخل النفطي على الاقتصاد المحلي، لم تكن هذه القدرات ذات أهمية بالنسبة للدولة الليبية. والحال أن معظم طموحات وسياسات الدولة الليبية كانت قابلة للتحقق دون الحاجة إلى تطوير أو تمكين أو تعزيز المؤسسات البيروقراطية الأفقية المميزة للدولة الحديثة.

ولأن الاقتصاد الليبي ريعي بامتياز من واقع اعتماده شبه المطلق على إيرادات النفط في تمويل أوجه الإنفاق وفي توفير فرص العمل، فإن ملامح الريع تبدو واضحة جليّة على آراء وميول الليبيين تجاه الأسئلة التي تضمّنها المسح الشامل لآرائهم في القيم.

ويستدل من هذا المسح أيضا على تفشي ثقافة تواكلية ترسّخت عبر ردح طويل من الزمن، تتمثل في اعتبار الوظيفة العامة حضن الأمان، وتتنافر مع قيم الإبداع والابتكار والمخاطرة التي تسم العاملين في مجال المبادرة الفردية، حيث لا تحظى قيم مثل الاستقلالية والادخار والمثابرة إلا باهتمام أقلية من الليبيين (38.4% و 29.8% و 25.2% على التوالي).

ـ الفساد المالي والإداري وسوء إدارة الموارد الاقتصادية

شرعت ليبيا منذ أوائل التسعينيات في إعادة هيكلة نظامها الاقتصادي، وفي التحول التدريجي من نظام تسيطر فيه الدولة سيطرة شبه كاملة على النشاط الاقتصادي إلى نظام يسمح تدريجياً للقطاع الخاص بالقيام بدور مهم في النظام الاقتصادي.

وقد بدأت تلك التغييرات بصورة بطيئة ومترددة، ثم اكتسبت زخماً قوياً في بداية الألفية الثالثة، خاصة بعد حل أزمة لوكربي ورفع الحصار الاقتصادي عن ليبيا وتحسن علاقاتها مع البلدان الغربية.

وكان من الضروري، نتيجة لتغير توجهات السياسات الاقتصادية أن تبرز مشاكل تتعلق بقدرة الدولة على إدارة عملية التحول وتوجيهها على المستوى الكلي، والسيطرة على الفساد المالي والإداري المصاحب لعمليات التحول.

وهذا يعني أن نجاح عمليات الإصلاح الاقتصادي في ليبيا استدعت تطوير القدرات المؤسسية للدولة وتعزيز دورها في ضبط هذه العمليات وتنظيمها، إلى جانب تأسيس مستوى عال من الشفافية والمساءلة للسيطرة على الفساد المالي والإداري.

غير أن الدولة عجزت عن هذه السيطرة لأسباب أهمها:
تداخل الاختصاصات والمسؤوليات وتضاربها بين المستويات السياسية والإدارية المختلفة وضمن كل مستوى منها.

غياب التوازن بين المسؤوليات المسندة إلى المستويات السياسة والإدارية وبين السلطة الممنوحة لها لضمان أدائها لمسؤولياتها وفرض قراراتها، حيث هناك مسؤوليات لا تصاحبها سلطات متكافئة معها، وسلطات لا تصاحبها مسؤوليات محددة.

عدم شفافية عمليات المحاسبة وعدم فعاليتها بسبب تعدد سلطة الأمر والتنفيذ.

عدم الاستقرار المؤسسي والمكاني للبنى والأجهزة السياسية والإدارية وما صاحب ذلك من إهدار للمال العام.

تدني كفاءة الجهاز الإداري للدولة بسبب ضعف مستويات بعض القيادات الإدارية وعدم كفاءتها نظراً لضعف آليات الاختيار وضوابطه ومعاييره.

وبطبيعة الحال، لم يطرأ أي تغير إيجابي على الآليات الاقتصادية بعد ثورة فبراير، بل إنها أصبحت بسبب الأوضاع الأمنية غير المواتية وعجز الدولة عن فرض أي نوع من الرقابة، أكثر عشوائية وتخبطا، فيما أصيبت في بعض المناطق بالعطالة التامة.

د ـ العوامل الاجتماعية المفرقة

تقوم الاختلافات الإثنية والثقافية والدينية بدورها في عرقلة عملية التحول الديمقراطي. وقد كانت هذه الاختلافات من أهم أسباب انهيار الديمقراطية في أوربا في فترة ما بين الحربين العالميتين، كما كانت في أفريقيا وآسيا ويوغسلافيا السابقة من أهم العوامل المعرقلة للتحول والترسيخ الديمقراطي.

وبالطبع ليس من المستحيل التغلب على هذه الاختلافات، غير أنه يتطلب تصميم الترتيبات الدستورية بحرص والتوصل إلى توافقات بين النخب السياسية.

وعندما تكون الانقسامات الطبقية أو الإثنية أو القبلية أو الدينية أو الثقافية حادة وعميقة وعنيفة، لا يكون هناك معنى للهوية السياسية المشتركة، وتصبح عملية الدمقرطة أمراً عصيا.

وسؤال الهوية، في الحالة الليبية، لم يحسم بعد، أقله على مستوى النخب السياسية والفاعلين على الأرض، ويتضح ذلك على سبيل المثال من بعض النزاعات العرقية والمناطقية التي نشبت مؤخرا، ومن الخلافات التي أثارها نشر أعمال لجان الهيئة التأسيسية فيما يتعلق بعروبة الدولة ودور الشريعة في التشريع.

ـ تمزق النسيج الاجتماعي

لا سبيل لترسيخ العمليات السياسية الديمقراطية إلا إذا اقتصرت أهمية وتأثير الولاءات الإثنية والدينية والثقافية على المجال الخاص، وسادت قيم الالتزام بمواطنة عامة ومشتركة.

وفي ليبيا، أثارت الانقسامات على المستوى النخبوي التي شاعت بعد ثورة فبراير فتنا واحترابات ما فتئت تسهم في تمزيق النسيج الاجتماعي. ويكفي للاستدلال على هذا بمقاطعة الأمازيغ لانتخابات الهيئة التأسيسية، وفشل الأطراف المتنازعة في الجلوس إلى طاولة الحوار، وإحياء النزاع التقليدي بين الحضر سكان المدن والبدو سكان الأرياف، وبروز الدعاوى الانفصالية، وشيوع ظاهرة التخوين المناطقي، والمواجهات العسكرية بين المدن، وتفشي ما يعرف بظاهرة القتل على الهوية.

يتبع في الجزء التالي بدءً بـ ( العوامل الاجتماعية المفرقة .. التطرف الديني)

***

محمد زاهي المغيربي ـ أستاذ العلوم السياسية ـ جامعة بنغازي

نجيب الحصادي ـ أكاديمي ومترجم ليبي، له العديد من المؤلفات، أستاذ في جامعة بنغازي

_____________

المنظمة الليبية للسياسات والاستراتيجيات