بقلم زاهي المغيربي و نجيب الحصادي

نقف في هذه الورقة على الأطر النظرية المقترحة في أدبيات العلوم السياسية لتحليل عملية التحول الديمقراطي، كي نستعين بها في تشخيص التحديات التي تواجه هذه العملية في ليبيا، ثم نعرض مآلات قد يفضي إليها الفشل في إتمامها، وفرصا متاحة للحول دون فشلها، ونختتم بمحاولة تفسير تأخر الليبيين عن جيرانهم في طي صفحتهم الانتقالية.

الجزء السادس

وـ الفشل في التوافق حول قواعد اللعبة السياسية والسياسات العامة

لأن القيم مجردة، ويصعب التوافق عليها، استحدثت وسائل لتفريغ بعض من شحنتها القيمية بحيث تكون أكثر عينية وأيسر على التوافق. ومن أبرز هذه الوسائل ما يعرف بالمؤشرات القابلة للقياس، بكل الصبغة العلمية التي تكتنف هذه المؤشرات، والدور الذي يمكن أن يقوم به الخبراء في قياسها.

وعلى هذا النحو، عوضا عن الجدل حول الحرية والعدالة والإخاء والمساواة والرفاه، للنخب السياسية أن نتحاور حول درجة المشاركة والمساءلة والشفافية والتنافسية، وكفاءة الأجهزة الحكومية وجودة الخدمات العامة، ودرجة السيطرة على الفساد، والرقابة على المطبوعات، وحرية التنقل، وقدر استخدام العنف، وما إلى ذلك.

وفي الحالة الليبية، أسهمت عدة عوامل في الحول دون توافق النخب على قواعد اللعبة السياسية والسياسات العامة، بصرف النظر عن صياغتها في شكل قيم أو مؤشرات. غير أننا سوف نركز تحديدا على عاملين، حداثة التجربة الحزبية، وانقسام النخب السياسية.

ـ حداثة التجربة الحزبية

لم تختلف رؤية النظام الملكي لطبيعة دور التنظيمات والقوى الحزبية في الحياة السياسية بشكل جوهري عن رؤية نظام القذافي، وإن اختلفتا من حيث آليات التعامل مع هذه الحركات والتنظيمات وسبل مواجهتها. ففي الوقت الذي استخدم النظام الملكي اليد الناعمة تجاه هذه التنظيمات، فإن نظام القذافي كان أكثر عنفاً وأشد قمعا.

وقد بدأت عملية القمع هذه بصدور قانون تجريم الحزبية عام 1972، الذي جعل تشكيل أو الانضمام إلي أحزاب وتنظيمات سياسية جريمة عقوبتها الإعدام. وفي عام 1973، وبعد إعلان الثورة الشعبية، ألقي القبض على المئات من المثقفين من مختلف التيارات والاتجاهات الإسلامية والقومية واليسارية. ولم يعد هناك مكان في المشهد السياسي إلا للتنظيمات التي خلقها النظام، مثل الاتحاد الاشتراكي العربي وحركة اللجان الثورية.

واستمرت عمليات القمع التي طالت المثقفين والناشطين سياسياً داخل ليبيا وخارجها حتى السنوات الأولى من الألفية الثالثة.

ومنذ بداية الثورة، وحتى قبل صدور قانون الأحزاب، تشكلت العديد من الأحزاب، حيث افتقر كثير منها إلى الإعلان عن برامج سياسية محددة، وتحديد لهويتها السياسية وموقفها من القضايا والتحديات الراهنة. والأحزاب الوليدة نتاج طبيعي للسياقات والبيئة التي تولد فيها، وليس في الوسع في ظل الخصائص الاقتصادية والاجتماعية في ليبيا، حيث الطبقات الاجتماعية والاقتصادية لا تزال في مراحلها الجنينية.

ولم تتطور بدرجة تجعلها فاعلا سياسيا، أن تظهر سوى أحزاب تدافع عن مصالح وانتماءات عشائرية وقبلية وإقليمية عوضا عن التعبير عن مصالح اقتصادية وطبقية. أيضا فإن الأحزاب التي نشأت حديثا عكست دينامية تصارعية عقدت المشهد وجعلت الوصول إلى توافقات وتسويات صعبا.

وتعتري الأحزاب نواقص تعكس وهن الفاعلين الاجتماعيين بوجه عام، فهي تعاني ضعفا تنظيميا في إدارتها، وتفتقر إلى مشروع سياسي واضح المعالم، وإلى قاعدة اجتماعية حقيقية، وهي لذلك عاجزة عن تأدية دور الفاعل السياسي والاجتماعي القادر على إنجاح عملية التحول الديمقراطية، وإعلاء الصالح العام بالقطع مع القبيلة والغنيمة والعقيدة.

وبسبب سوء أداء الأحزاب، الذي يرجع أساسا إلى حداثة تجربتها، تنامى توجه مؤداه أن مناط الخلل في الأداء السياسي هو فكرة التعددية الحزبية نفسها، فظهرت دعاوى مناوئة لهذه الفكرة، ترجم بعض منها عيانا في قانون انتخابات الهيئة التأسيسية وقانون انتخابات مجلس النواب.

وحسب المسح الشامل لآراء الليبيين في القيم، 6% فحسب منهم يثقون في الأحزاب، وقد نتج عن تدني هذه الثقة في الأحزاب السياسية عدم رضاهم عن أدائها ورفضهم لأي دور لها في مستقبل البلاد، فوفق استطلاع مركز البحوث في يونيو 2014، خمسة من كل عشرة ليبيين (55.1%) يرون أن النظام الذي يسمح فيه لمختلف الأحزاب بالتنافس ليس مناسبا لليبيا؛ سبعة من كل عشرة (71.3%) غير راضين عن أداء الأحزاب السياسية؛ وثمانية من كل عشرة (77.5%) يرون أنه يجب ألا تقوم الأحزاب بأي دور في مستقبل ليبيا. وغني عن البيان أن مثل هذه النظرة السلبية لمفهوم التعددية الحزبية ولأداء الأحزاب إنما تسهم بدورها في عرقلة التحول الديمقراطي، وتحول دون التوافق النخبوي على السياسيات العامة، بقدر ما تعوق تسربه إلى القاع المجتمعي.

ـ انقسام النخب السياسية

تحتاج عملية بناء الدولة قيادة سياسية مؤمنة بالمهمة وقادرة على مواجهة التحدي في مهمة تاريخية لا مجال فيها للنزعات الفئوية. ولكي تضمن النظم الديمقراطية بقاءها واستمراريتها يتعين أن يكون هناك اتفاق عام على قواعد العمليات السياسية والالتزام بها، خاصة بين النخب السياسية. ومن غير المحتمل أن تقبل أية مجموعة قواعد العملية الانتخابية إذا كانت هزيمتها تضر بمصالحها ضرراً كبيراً. وهذا يعني أنه إذا كان على الخاسرين القبول بنتائج العملية الانتخابية الديمقراطية، فإنه يتعين على الفائزين أن يقبلوا أن هناك قيوداً مهمة على ما يستطيعون فعله بقوتهم الجديدة. ووفقاً لهذا العامل، يعتمد ترسيخ الديمقراطية على ممارسة الأطراف الفائزة الاعتدال ومراعاة بعض القيود عند وضع السياسات العامة المختلفة. وفي واقع الأمر، يلزم أن يتم الاتفاق على القيود المفروضة على تغيير السياسة العامة قبل اكتمال عملية التحول الديمقراطي، أي أثناء المفاوضات والمساومات، وبالتالي فإنها جزء من العملية ذاتها.

وحسبنا للتمثيل على مظاهر انقسام النخبة السياسية في ليبيا أن نذكر التشريعات الإقصائية، كقانون العزل السياسي، وعمليات التخوين المتبادل، والفشل في الاتفاق على السياسات العامة، والمواقف المتضاربة من دمج التشكيلات المسلحة وبناء الجيش والشرطة.

زـ التدخل الأجنبي

ثمة تحليلات تؤكد أن الثروات التي تنعم بها ليبيا، وموقعها الجغرافي القريب من أوربا، وراء مساندة الدول الغربية للثورة الليبية، وأن هذه الدول لن تسمح بسيطرة أي تنظيمات إرهابية ولا بعرقلة التحول الديمقراطي. قد يتغاضى المجتمع الدولي عن قيام دولة فاشلة في بلد كالصومال، لكنه لن يسمح بقيامها في دولة تمتلك ألفي كيلومتر على البحر المتوسط، وثروات نفطية ومعدنية هائلة، وتقع بجوار دول ذات كثافة سكانية عالية وتعاني من أزمات اقتصادية وسكانية خانقة تشكل خطرا على الأمن الدولي.

وكان مجلس الأمن قد أصدر في 17 مارس عام 2011 القرار رقم 1973 الذي يقضي بتخويل الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، فرادى وجماعات، باتخاذ الإجراءات الضرورية كافة، بما في ذلك استخدام القوة المسلحة، ما عدا الإنزال البري، لحماية المدنيين في ليبيا من عمليات القمع التي تقوم بها الكتائب المسلحة ضد أبناء الشعب الليبي العزل.

وقد تعددت التحليلات لفهم التلكؤ الذي طرأ على أنشطة النيتو أثناء الحرب ضد نظام القذافي، حيث ربطته بعض التحليلات بتحقيق هدفين: تدجين الثوار المتشددين، عبر إبقائهم في وضع المحتاج للمساعدة الدائمة، والحول دون تكرار سيناريو العراق وأفغانستان، حيث انهارت الدولة ودخلت في نفق مظلم.

ومهما يكن من أمر هذه التحليلات، فإن دور المجتمع الدولي تغير كثيرا بعد انتصار الثورة. وقد تجسد هذا التغير في التالي:

لم تبذل الأمم المتحدة وحلف شمال الأطلسي وبقية القوى الدولية التي شاركت في العمليات العسكرية جهودا حقيقية للمساعدة في إعادة بناء القوات المسلحة وجمع السلاح ووضع خطط لدمج المسلحين في الحياة المدنية والعسكرية.

قامت بعض الأطراف الإقليمية والدولية بالتدخل في المشهد الليبي بمساعدة بعض القوى المحلية دون غيرها، الأمر الذي زاد من تفاقم الأزمة الداخلية وتحولت ليبيا إلى ساحة صراع بين هذه القوى المتنافسة.

لم تقم القوى الإقليمية والدولية بمساعدة ليبيا في مواجهة ظاهرة التطرف وتداعياته.

وحسب صحيفة الإيكونمست، دخلت أطراف خارجية في الصراعات الليبية، فتركيا وقطر والسودان تفضل الزمر الإسلامية، بينما تدعم مصر والإمارات العربية المتحدة وبعض الأطراف الأخرى التحالف المسيطر في المنطقة الشرقية الذي يحظى باعتراف دولي أوسع.

وهذا الخطر في ليبيا بدأ يتسرب إلى منطقة الساحل الشاسعة، أراضي أفريقيا القاحلة جنوب صحراء الصحارى، من مالي في الغرب، وعبر النيجر وشمال نيجيريا، وشرقا حتى السودان، ووصلت صحراء سيناء المصرية المتاخمة لإسرائيل. أما القبائل العربية والجماعات الإثنية الأخرى في فتقوم بتهريب الأسلحة والمتاجرة بالبشر وتوفير الملاذ الآمن والمساعدة لمجموعات من العاطلين والجهاديين.

وحسب الصحيفة، يتمثل الطريق الوجيه الوحيد في محاولة تشكيل حكومة وحدة وطنية، يدعمها دستور جديد يمنح استقلالية للأقاليم والمدن الرئيسة. ويمكن وضع بعض دخول النفط في حساب خاص تحت إشراف الأمم المتحدة بحيث يعاد توزيعه للخدمات العامة هلى جانبي خطوط المعارك. وإذا أمكن التوصل لاتفاق تفاوضي، سوف يتعين استجلاب قوات حفظ سلام من الأمم المتحدة.

يتبع في الجزء التالي بدءً بـ ( مآلات الفشل في عملية التحول الديمقراطي)

***

محمد زاهي المغيربي ـ أستاذ العلوم السياسية ـ جامعة بنغازي

نجيب الحصادي ـ أكاديمي ومترجم ليبي، له العديد من المؤلفات، أستاذ في جامعة بنغازي

_____________

المنظمة الليبية للسياسات والاستراتيجيات