Minbar Libya

هل نشهد حاليا ولادة عالم جديد؟

بقلم د. وضاح خنفر

اللحظة التي يعبرها العالم اليوم بالغة التأثير عميقة الأثر، وسوف تدخل التاريخ نقطة تحول جذرية، تؤسس أنماطا جديدة، وتعزز أخرى موجودة بالفعل في عوالم الاجتماع والاقتصاد والسياسة.

(3)

ولادة عالم جديد!

هذا يعني بالضرورة أن العالم الذي عرفناه قد انتهى، وأن عالما جديدا سوف يولد، العولمة المنفتِحة على كل شيء تعاني اليوم من خطر ماحق، فالحدود تغلق والعولمة تنتهي

العولمة كانت اقتصادية بالدرجة الأولى، ثم صارت تقنية وثقافية، والاقتصاد اليوم هو الضحية الأكبر بعد الإنسان لفيروس الكورونا، فالإنسان يعاني ويموت،  والفزع من الموت أصبح إشكالية كبرى عند الناس جميعا رغم أن نسبة الوفيات ليست كبيرة.

ولكن الخطر الماثل أمامنا اقتصادي، الإنسانية اليوم تعبر انهيارا اقتصاديا غير مسبوق، فالاقتصاد العالمي كان يعبر حالة من التوتر في السنوات القليلة الماضية، وكنا دائما نتوقع أن أزمة اقتصادية عالمية جديدة ستعصف، لكن لم يكن يتوقع أحد أن تلك الأزمة سوف تحدث بهذه السرعة ومن خلال هذا الفيروس

اليوم نرى أن مؤشرات الأسواق العالمية وصلت إلى درجة لم يسبق لها مثيل إلا في الأزمات التاريخية الكبرى مثل الكساد الأعظم أو الكساد العظيم great depression عام 1929م وأزمة 2008م. ويتوقع الكثير من الاقتصاديين أن ما سيحدث الآن أسوأ بكثير مما حدث في الكساد العظيم، والسبب في ذلك أن الاقتصاد العالمي يعتمد بشكل أكبر من أي وقت مضى على حالة من التواصل المركب والعولمة المعتمدة على بعضها، حيث أن الكل يتأثر بالكل؛ فمنذ أن بدأت الأزمة في الصين وانتشرت تدريجيا بدأت الأسواق في الانهيار في باقي أنحاء العالم.

سوق النفط على سبيل المثال بدأ يتدهور عندما بدأ الصينيون يغلقون مصانعهم ولم يعد هنالك طلب على النفط، ثم بعد ذلك وجدنا أن النفط ينهار إلى مستويات غير مسبوقة في السنوات القليلة الماضية حيث وصل ثمنه إلى 28 وقد يصل إلى 20 دولارا في وقت ما قبل أن تعود المصانع إلى فتح أبوابها

المتضرر الأول والمستفيد الأخير.. استعادة العافية الاقتصادية والاستراتيجية! 

كانت الصين متضررة بشكل كبير ولكنها ستستعيد عافيتها قبل العالم أجمع، مما قد يؤدي إلى معدلات نمو أفضل مقارنة ببقية العالم، فقدرة الصين على التعافي أكبر من قدرة أوروبا أو قدرة الولايات المتحدة لسببين: أولهما أن الحكومة الصينية حكومة حزب واحد، حكومة مركزية، تتحكم بشكل كامل في مصير الناس وحياتهم، بينما الدول الأوروبية لا تستطيع ذلك لسبب متعلق بطبيعة المجتمعات وحياتها

التجارة والصناعة الصينية التي يحتاجها العالم والتي تضررت في ذلك الوقت بدأت تعود للعمل، فاليوم نسمع أن تسعين بالمئة من المصانع تعاود إنتاجها. إذا تقرر هذا في الأيام القادمة فسيفعل الاقتصاد الصيني شيئين، الأول أنه سيبدأ بتزويد العالم بأكثر ما يحتاجه الآن من أدوات وتجهيزات طبية من قبيل الأقنعة وأجهزة التنفس وما إلى ذلك. والعالم سيهجم على المصانع الصينية ليأچذ منها ما يستطيع

ستحقق الصين هدفين؛

الهدف الأول هو أن ستستعيد الصين عافيتها الاقتصادية ولو نسبيا وتستعيد مكانتها الاستراتيجية في العالم بالعودة إلى مصاف الدول التي تنمو، لأنها إن لم تنمو ستنكمش وستُعرض نظامها السياسي إلى خطر شديد جدا، ولذلك سيعاود الصينيون تعافيهم بسرعة

الهدف الثاني هو محاولة كسب دول العالم عبر تزويدها بالخبرات والقدرات لمكافحة الفيروس.

 الصين من حيث المبدأ بدأت تتعافى، وهذا خبر مهم جدا، لكننا لا نعرف تماما متى وكيف ستعاود إنتاجها بشكل كامل وكيف ستستعيد خطوط الإنتاج إلى بقية أنحاء العالم، وفيما إذا كان التعافي نهائيا

أوروبا.. تأزم الاقتصاد وبروز النزعة القومية 

من الواضح أن أوروبا أصبحت في مأزق كبير، نحن نعرف أن الاقتصاد الأوروبي كان يعاني من أزمات اقتصادية هائلة في السنوات الاقتصادية الماضية فهو لم يتعافى بشكل كامل منذ أزمة 2008. 

تذكروا أزمة اليونان وايسلانده وإيطاليا والبرتغال وإسبانيا، اليوم هذه الدول تعاني مجددا، خصوصا إيطاليا، وفرنسا أيضا دخلت في حالة إغلاق وكذلك إسبانيا. نرى أن جنوب أوروبا ستعاني أكثر من شمالها، فألمانيا مثلا أكثر تحكما بالأمور من بقية دول أوروبا الجنوبية وكذلك بقية دول أوروبا الشمالية بفضل قوة اقتصادها ونظامها الاجتماعي المختلف تماما بحكم نموذج الرأسمالية الاشتراكية Social Capitalism.

 إذن الفقر الذي رأينا بداياته في السنوات الماضية سوف يتفاقم، ربما سيؤدي إلى انهيارات أكبر في منطقة اليورو، وسيؤدي قطعا إلى نزعة قومية جديدة في أوروبا. وجدنا أن النزعة القومية منذ 2008 تتصاعد بشكل كبير وصولا إلى تفاقمها بعد أزمة اللاجئين في السنتين الماضيتين، وكيف أن الأحزاب القومية اليمينية المتطرفة بدأت تنمو، وسيطرت على الحكومات في بعض الدول، ولكننا نرى اليوم موجة جديدة أثناء الفيروس وبعده، فإغلاق الحدود مقترنا بالانهيارات الاقتصادية سيجعل الناس يبدأون التفكير بأنفسهم أولا بعيدا عن الآخرين.

 لذلك نزعة التضامن الأوروبي سوف تتراجع، ونزعة الأنانية القومية سوف تتزايد، بمعنى القول بإيطاليا أولا واسبانيا أولا واليونان أولا … سوف تصبح هذه النزعات مقدمة على الانتماء الأوروبي.

إذن، الأثر الثاني لهذه الأزمة بعد تضرر الاقتصاد هو ظهور النزعات القومية في مختلف أنحاء العالم لاسيما في أوروبا. يهذا سيكون لها تأثير علينا كمسلمين بحكم صلة العالم الإسلامي بأوروبا وبالذات الأقليات المسلمة التي تعيش هناك

المعاني الوجودية الجديدة

العالم سوف يبدأ الحديث عن معان وجودية جديدة، بمعنى أن الأديان والمعتقدات والفلسفات سوف تبدأ بالحديث عن معنى الإنسانية ومعنى الحياة. لأن الناس بدأت تتساءل عن كيفية التعايش مع هذه المسألة دينيا، أو حتى إنسانيا.

تياران في العالم سيطرا على الإنسانية في كل الأزمات الكبرى؛ وهما التيار الإنساني والتيار المادي، التيار الإنساني كان يضع الإنسان كل الإنسانفي مقام المساواة الإنسانية الدائمة مع بعضهم البعض، والتيار المادي يعتبر أن الإنسان القوي هو وحده جدير بالحياة وأن الضعيف إن مات فهذا منطق الطبيعة، منطق  البقاء للأصلح، وهذا مبني على المنطق الدارويني المادي البحت المجرد.

 وقد رأينا ذلك في نظرة هتلر وستالين إلى البشر، كان الضعيف يقتل، كما رأيناه اليوم في كوريا الشمالية عندما قتلوا الضعفاء في المستشفيات كي لا تتكفل الدولة بعلاجهم، وكانت إيطاليا التي بدأت عهد النهضة Renaissance في أوروبا، قد نشرت وثيقة لمركز SIAARTI فيها توصيات للأطباء بأن تمنع المريض الذي يزيد عمره عن 65 سنة بالدخول للمستشفى، حتى لو كانت لديه أعراض سيئة أخرى غير فيروس الكورونا فيترك ليموت”  وذلك بسبب الأعداد المحدودة جدا من أجهزة التنفس الصناعية،ه ذه التوصيات جاءت لتساعد الطاقم الطبي على فك المشكلة الأخلاقية التي سيواجهونها.

 فمثلا إذا قدم 100 مريض وليس لديهم إلا 20 جهازا للتنفس، فمن سيختارون؟ هل سيختارون الشاب الذي يؤمل أن يتعافى ويعيش بعد ذلك منتجا في المجتمع، أم الشيخ الكبير؟

هذه الإشكالية الإنسانية طرحت في كل الطواعين، فقد قرأت في كتب التاريخ عن الطاعون الذي اجتاح أوروبا، بأن السلطات كانت تأمر بإغلاق بيوت المرضى عليهم عندما يعلم أن فلانا قد مرض، يغلق البيت بالطين والحجارة على المريض لكي يموت ولا تنتقل العدوى منه، فيبقى ميتا داخل بيته، فبالتالي ثقافة أن القوي ينبغي أن يعيش وأن المريض الضعيف ينبغي أن يموت ثقافة مادية بحتة انتشرت في القرون الوسطى والآن نراها تنتشر مرة أخرى في بعض الدول الأوروبية،

وهذا مناف تماما للنظرة الأخلاقية الإسلامية، التي ترى أن من واجب الإنسان أن يقوم على شأن الضعفاء وكبار السن، واعتبر أن البر بالوالدين على سبيل المثال قرين بالإيمان بالله سبحانه وتعالى، هذا بعيد جدا عن منطق المادية الذي نراه الآن في مختلف أنحاء العالم، النزعة الإنسانية والنزعة المادية ستتبارزان، والجدل بينهما سوف يحتدم.

الحاجة إلى تجديد الخطاب الديني

دور الدين بمفهومه التقليدي الموروث سوف يضعف، لأنّ الأديان عموما خاصة المسيحية واليهودية وحتى الإسلام بشكله التقليدي قد لا يجيب على بعض الأسئلة التي سيواجهها الناس في المرحلة القادمة، وهذا سيفاقم من حاجة الناس إلى خطاب ديني أقرب إلى عقولهم وإلى قدرتهم على التفاعل مع هذا الواقع وعلى هضم التغيرات الكبرى التي ستعصف بالبشرية في السنوات القليلة القادمة، ولذلك فالحاجة إلى خطاب ديني يرتقي بالإنسان إلى مستوى أعلى من المستوى الحالي حاجة ملحة كبرى.

وربما سيرى فيها المسلمون فرصة لتجديد خطابهم من خطاب تقليدي تراثي يبحث في كتب التراث والتاريخ إلى خطاب عالمي إنساني قائم على القيم وروح العصر المتجدد، ويستطيع أن يقدم نموذجا حضاريا جديدا.

***

وضاح خنفر ـ صحفي فلسطيني، رئيس منتدى الشرق ، وهي شبكة مستقلة مكرسة لتطوير استراتيجيات طويلة الأجل للتنمية السياسية والعدالة الاجتماعية والازدهار الاقتصادي لشعوب الشرق الأوسط. شغل سابقاً منصب المدير العام لشبكة الجزيرة الإعلامية. أسس في 2015 موقع هافنغتون بوست عربي.

___________