Minbar Libya

بقلم جازية شعيتر

بلكنة غرباوية أصيلة، معبراً عن هموم ليبية كثيرة، بأفكار مدنية مستنيرة، تتخللها ذكريات شرقاوية جميلة، أحالني إلى مجموعة كبيرة من مقالاته ومؤلفاته.

شدت انتباهي بقوة تلك الآراء الحقوقية بشأن القاعدة الجنائية: حقوق الجاني، وحقوق المجني عليه، وغير ذلك الكثير، بالرغم من أنه ليس متخصصا في القانون الجنائي، بل يقول عن نفسه: “عمري ما قريت كتاب قانون، ويضيف مازحا: “لكن زي ما قال الشاعر الشعبي علي الرقيعي: حفظناها من طق لطققريناها من غير أقلام“.

حبذا لو تُدرس هذه المقالات لطلبة الدراسات العليا؟ أو في دورات التأهيل والتطوير للقائمين على إنفاذ القانون الجنائي، من باب التدريب على التفكير الناقد؛ فنحن أمام وجهة نظر معتبرة تنتقد القانون فلا بأس بمحاولة تفنيدها على الأقل، خاصة أنها صادرة عن كاتب دارس للفلسفة.

سجنيات

تُعد درة ذلك العقد وواسطته الفريدة، لأنها نصوص سردية توثق عذاب الضحية في مؤسسة إصلاحية لأكثر من تسع سنوات، بطريقة تمتع القارئ .

ولأن سجنياتنصوص أدبية تحوي حكما حقوقيا يدين النظام الجنائي بأسره، سأختار بعض حيثياته لبيان الرؤية الحقوقية لكثير من النصوص والممارسات القانونية.

بداية: الإدانة مــدانة!

ما جدوى تحصين الأحكام الباتة بمقولة أنها عنوان للحقيقةمادامت لم توقر في نفس المكلف بها؟

في سجنياتالمدان بالحكم الجنائي يرفضه شكلاً وموضوعاً؛ فإجراء النطق بالحكم نفسه معيب، فهو إجراء جماعي!

وما بين جملة حكمت المحكمة بالسجن المؤبد وما بين نطق اسمه (لحسن حظي أن اسمي كان ترتيبه الخامس وليس الثاني عشر) تصف الضحية لحظات رهيبة من وجيب القلب، وبعد تمام القاضي من تلاوة حكمه، الذي أصدره في نفس واحد (فوجئت بمعظم الذين برأتهم المحكمة يبكون، والذين استجابت لتجريمهم يهدؤونهم باسمين)!

هذا الإجراء يحتاج إلى تقييم حقوقي قبل أن نتساءل عن مدى قانونيته ودستوريته.

حكم الإدانة عن جريمة مصطنعة، غير مستهجنة اجتماعياً، فهي ليست من الجرائم الطبيعية، ففي عيون قريباته (لا هو قاتل لا خانب ولا مداير حاجة مش باهية، محبوس على خاطر كتيبة وقراية) .

سجين الرأي ليس مجرماً اجتماعياً أو أخلاقياً!!

الحكم يقضي بسلب الحرية مدى الحياة [العيش على قيد الحياة بعيداً عن الحياة] نفذت العقوبة بسجن الشرطة العسكرية حيث (لم يعد يحلم بالعودة إلى حياته الطبيعية، بل صار يحلم أن يرأفوا به ويعيدوه إلى سجن الشرطة العادية) متسائلاً عن حقه في سجنه الطبيعي أسوة بحقه في قاضيه الطبيعي.

انتهاكات حقوقية في مؤسسة قانونية!!

ترصد سجنياتعديد الانتهاكات الحقوقية منها مثلاً: حق السجين في أن يقوم على مؤسسة الإصلاح والتأهيل موظفون لا يتصفون (بالرعونة) ولا يتميزون بضخامة البنية، وفظاظة السحنة، وقسوة الطباع، فمن حقه أن يتمتع جميع العاملين في السجون بشخصية واثقة من نفسها مشهود لها بالنزاهة والطيبة والاتزان النفسي، وتمتاز بالرأفة والحزم معاً.

أيضاً حق السجين ألا ينقل بين المؤسسات العقابية في (صندوق ارتفاعه مترين وعرضه أقل من متر) ففي ذلك امتهان لكرامته.

ومن حقه عدم التعرض للتعذيب أو أي من صنوف المعاملة القاسية؛ حيث لا يجوز الضرب [لإشباع شهية مأمور الضبط القضائي للضرب] أو لانتزاع المعلومات أو (لكسر المعنويات)، ولا يجوز أن يكون الضرب جزاء لأي نوع من المخالفات حيث أن الجزاءات محددة قانوناً.

أما عن حق السجين الحصول على الغذاء الكافي فلا يجوز أن تؤثر عليه ( كثرة أمة محمد) ولا يجوز أن تكون اللحوم الحمراء (عزيزة وغالية) والبيضاء (نوعا مختصرا من الدجاج لا أفخاذ له أو صدور) ولا يجوز مطلقاً أن (يصدع [السجين] …. بشكواه من الجوع)!!

رغم قانونية شرب السجين الشاي والقهوة (عناصر المتعة ومزيلات الكآبة) فإن سجنياتتؤكد (كان دخول الشاي والقهوة ممنوعاً منعاً باتاً) والقهوة كانت تأتي (مهربة) وبطريقة غريبة عجيبة!! وكانوا يتحايلون بشتى الطرق لزيادة حصصهم المقررة من الشاي“.

تُعد النظافة مطلباً لجودة المؤسسة العقابية وشرطا للسلامة العامة؛ على الأقل لكي لا يضطر (القائمون على التمام الليلي لإحصاء كائنات ذات روائح غير مرغوبة)، لكن كيف السبيل للنظافة الشخصية إذا كان ماء الاستحمام بارداً يخشى معه السجين على نفسه من (نزلة صدرية تنهي له عمره)؟!

كما أن نظافة الغرفة وخلوها من الحشرات أمر لازم كي لا يضطر السجناء (لإحداث مذبحة جماعية لجموع الصراصير الهاربة من قواعدها الثابتة)!!

ولا خلاف حول حق السجناء في تجديد الهواء الآسن في فصل الصيف حين يصبح (الجو ممتلئا بروائح الأنفاس والعرق، ويثقل التنفسوكدر النفوس يزداد)، لا أن يقوموا بتجديده بأنفسهم عبر حملات تطوعية لهز الملاءة باهتة اللون.

تلزمك سجنياتبسؤال: لماذا لا تكون مساحات السجن مليئة بالحدائق والبساتين ولماذا لا يقوم المساجين بحملات تشجير (قد مرت حوالي السنة ونصف على زوال إمكانية أن أرى شجرة عن قرب)!!

الكتب والأقلام والدفاتر والجرائد والمجلات ممنوعة، وحيازتها محظورة، ومصادرتها الجزاء المتوقع حال ضبطها! ولم يكن من حق السجين أن يلعب الشطرنج؛ فقد صنعوا قطعه من بقايا خبز أعادوا عجنه بعد أن أضافوا على نصفه رماد ورق محروق ليسود، مما دعا السجان إلى توبيخهم (وبّخنا لما اعتبره إهانة النعمة) و (لتجاوز قوانين السجن بإشعال النيران)!!

أين الإصلاح والتأهيل ؟

كيف ندعي التأهيل والإصلاح ثم يخرج سجين ما ليقول كنت (لا مرئيا) هذا الإحساس الذي تولد لديه، وإن كان خاطئاً، يستوجب مساءلة القائمين على سجنه.

لعل أهم مناحي التأهيل هو التأهيل النفسي للسجناء كي لا تعتريهم (نوبة الضحك العالي المجلجل بدلاً من البكاء) ذلك يستلزم أخصائيا نفسيا يلاحظ تأهبهم للزيارة ويطمئن ما يعتريهم من رهاب بدلا من تركهم (لأحد الظرفاء) يقلد حركات توترهم مازحا!!

كما تلفت سجنيات نظرك إلى مدى تنظيم القانون للحق في الزيارة؛ فأول زيارة كانت بعد 3 أشهر حبس!!

وكانت الزيارات في أيام العيد فقط: الفطر والأضحى وأحيانا المولد النبوي (فكنّا نتمنى أن يجعل الله أيامنا كلها أعيادا) أما عن مدتها، فلم تكن كافية (ما إن أتم طقوس السلاميكون وقت الزيارة قد انتهى)!

هل يعقل أن يسمع السجين خبر وفاة والده من خلال زوار لمساجين آخرين؟ إلى درجة أن تنقل له المعلومة في البداية خطأ (والدتك عطاتك عمرها) ثم يقال له: (ما دمت سمعت فالصحيح أن والدك هو من توفي) ولا يعزي أمه (لم يرها لمدة أربع سنوات) إلا يوم خروجه من السجن! أين إدارة السجن من هذه الكارثة الإنسانية؟

وفقاً لنظريات التأهيل الاجتماعي لا يجوز إطلاقاً أن يزرع وسط المساجين (ملائكة السيئات)، ولا يجوز أن تصنف زيارات السجين للزنزانات الأخرى والمبيت فيها باعتبارها مخالفة للقانون (وهو أمر ممنوع ويتم سراً).

أين التأهيل؟ إذا كانت كتابة القصص فعلا مشبوها مما يوجب تخبئتها وأحيانا تمزيقها وحرقها (قتل وقائي) وأحياناً أخرى تهريبها!! ما الضرر من التصريح بها؟

هي وسيلة بسيطة لتفريج الكرب النفسي للسجين، ويمكن عرض ما يكتب على مختصين لدراسة حالته النفسية وتوجهاته الفكرية. ناهيك عن كونها مكسبا حقيقيا لإبداع فني، إذا تحقق ذلك في بعض ما يقدم من السجناء.

سجنياتتشي للقارئ بذاتية الدعم النفسي والجسدي للسجين!! بل إن السجين يُعده انتصارا على السجان لأنها (هزيمة للجزء الأساسي من مقاصده) حيث (يتوقع ساجنيَّ من السجن أن يدمرني عقلا ووجداناوعليَّ أن أحرمهم من ذلك….).

هذا الدعم الذاتي كان يمارسه السجين من خلال التوازن بين (مصادمة حال السجن لأنها تؤدي للانتحار او الجنون) وبين (مهادنته لأنها تؤدي لخراب الروح وامتساخ الذات) عبر اختراع عملية حمائية أسماها (المداورة مع حال السجن).

وفي ظل انعدام سياسات التأهيل النفسي والاجتماعي ليس بمستغرب أن يقول السجين عن أول لقاء اجتماعي له (كان همي أن أعطي لصديقي انطباعا بأن إرادتي لم تكسرها حياة السجن، وأن قواي الذهنية والمعنوية لم تتراجع، وأنه لم يصدر مني طيلة هذه السنوات ما يمكن أن يجعله يخجل من القول بأننا أصدقاء)!!

ختامـــــا :

يظل الأمل أن تجد نصوص سجنياتوغيرها من شهادات الضحايا آذانا صاغية لدى صانعي البرنامج الوطني للعدالة الانتقالية، ولدى القائمين على إنفاذ القانون من مديري السجون، وجهاز الشرطة القضائية، وأعضاء النيابة، والقضاة، وقبلهم صانع القاعدة الجنائية، فهي تقول: انتبهوا فإنكم تتعاملون مع بشر وليس مع (مادة يتم العمل عليها ).

يتزامن هذا الأمل مع الوعي العميق بأن حال السجون الرسمية وغير الرسميةخلال المرحلة الانتقالية للدولة الليبية يجعل من سجنياتدليل براءة القائمين على مؤسسات الإصلاح والتأهيل قبل 2011!
***

جازية شعيتر ـ أستاذة قانون في جامعة بنغازي

_____________

* عمر أبو القاسم الككلي. سجنيات. دار الفرجاني. طرابلس. 2012