Minbar Libya

بقلم مأمون أبوجراد

سنوات تفصل الأحزاب التركية وحزب العدالة والتنمية الحاكم عن الاستحقاق الانتخابي الأهم منذ توليه السلطة عام 2002، المتمثل في الانتخابات الرئاسية والتشريعية عام 2023، فللمرة الأولى يدخل الحزب التنافس الانتخابي في ظل أزمة اقتصادية مرشحة للتزايد في السنوات المقبلة، كما يدخل الحزب التنافس الانتخابي للمرة الأولى في ظل خسارته لأهم البلديات الكبرى في تركيا لصالح تحالف الأمة المعارض.

على الجانب الآخر تبدو أحزاب المعارضة أكثر تفاؤلًا واستعدادية لتحقيق نتائج تحسن من تمركزها السياسي خاصة في ظل النجاح الذي حققته في الانتخابات المحلية الأخيرة، هذه الأسباب وغيرها تجعل من الانتخابات العامة المقبلة معركة مصيرية تحتم على الأحزاب التركية العمل والإعداد لها مبكرًا.

وهذا ما بدأته منذ بداية العام الحاليّ بتنظيم وترتيب بيتها الداخلي من خلال عقد مؤتمراتها التنظيمية العامة، فعقد حزب الشعب الجمهوري مؤتمره العام الـ37 في يوليو/تموز الماضي، ويستعد حزب الجيد المعارض لعقد مؤتمره العام الثاني في الشهور المقبلة، ومن المتوقع أن تنتهي الأحزاب التركية من عقد مؤتمراتها العامة بحلول عام 2021.

احتلت فئة الشباب الجزء الأكبر من النقاش الداخلي في مؤتمرات وهيئات الأحزاب التركية لما تمثله من كتلة تصويتية معتبرة بالإضافة إلى تأثيرها الكبير في المزاج العام لما تملكه من أدوات وفعالية، ومن بين الأحزاب التركية عامة يبدي حزب العدالة والتنمية اهتمامًا خاصًا بالفئات الشابة خاصة في ظل الأرقام والإحصاءات التي تتحدث عن تراجع شعبية الحزب لدى هذه الفئات.

ووفقًا لمركز “Gezici” للأبحاث فإن ما يقرب من 76% من الذين صوتوا للمرة الأولى في الانتخابات العامة عام 2018 لم تذهب أصواتهم لتحالف الجمهور المكون من حزب العدالة والتنمية وحزب الحركات القومية، وفي جولة الإعادة بالانتخابات المحلية الأخيرة في مدينة إسطنبول يونيو/حزيران 2019، التي جرت بين بن علي يلدرم مرشح حزب العدالة والتنمية وتحالف الجمهور وأكرم إمام أوغلو مرشح حزب الشعب الجمهوري وتحالف الأمة، عبر 58% من الناخبين المنتمين إلى الفئة (18-32) عن دعمهم لأكرم إمام أوغلو، فيما حصل بن علي يلدرم على 30% من الأصوات.

هذه المعطيات وغيرها دفعت حزب العدالة والتنمية لتبني إستراتيجيات وسرديات جديدة قادرة على استقطاب هذه الفئات وضمان أصواتها في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

السردية السياسية المؤسسة

ظهر حزب العدالة والتنمية في الحياة السياسية التركية كاستجابة لعدد من الإشكاليات التي عانت منها تركيا لسنوات طويلة واستمد زخمه الانتخابي والشعبي من قدرته على تحقيق اختراق وإنجاز في الإشكاليات التي تنوعت بين الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، فعلى الصعيد الاقتصادي استطاع الحزب انتشال تركيا من براثن الأزمة اقتصادية إلى حالة من التقدم الاقتصادي والخدماتي.

أما سياسًا استطاع الحزب تحقيق إنجازات مهمة على مستوى تعزيز الحريات السياسية والحياة الديمقراطية، بالإضافة إلى ضبط التوازن القائم بين مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية والإرادة السياسية وقوى المجتمع، كما اتخذ الحزب خطوات جريئة فيما يتعلق بالمسألة الكردية في الجنوب الشرقي من خلال تبني سياسات تركز على الجانبين التنموي والثقافي.

أما على الصعيد الاجتماعي فقد استطاع الحزب حل عدد من الإشكاليات المرتبطة بقضايا العلمنة والدين، كقضية ارتداء الحجاب ومكانة الرموز الدينية في التفاعل العام، كما استطاع النهوض بقطاع عريض من الفئات الاجتماعية المحافظة التي عانت لسنوات طويلة من التهميش والإبعاد عن مراكز السلطة والاقتصاد في مدن الغرب التركي.

مكنت هذه الإنجازات حزب العدالة والتنمية من تكوين شريحة انتخابية عريضة أمنت له السيطرة على مقاليد الحكم طيلة الـ15 عامًا الماضية. طول مدة بقاء الحزب في السلطة وظهور أجيال جديدة لم تعاصر هذه الإشكاليات، ساهم في تآكل فعالية هذه السردية لدى شريحة من الفئات الشابة، فعلى مستوى الاقتصاد أدت حالة التراجع الاقتصادي التي شهدتها تركيا في السنوات الماضية إلى تحول الاقتصاد من نقطة القوة الأكثر تاثيرًا في سردية الحزب إلى نقطة الضعف الأهم التي يواجهها، وساهم الإنجاز الذي حققه الحزب لصالح الفئات المحافظة المهمشة إلى تراجع تأثير مظلوميتها – التي ساهمت لسنوات طويلة في تعبئتها لصالح الحزب – لدى الأجيال الشابة من أبناء هذه الفئات التي استطاعت تحقيق مكاسب اقتصادية وثقافية مكنتها من الاندماج في مجتمعات المدينة التركية.

أي أن السردية التي ظهر وتطور فيها حزب العدالة والتنمية قد استنزف جزء كبير منها، الأمر الذي استلزم من حزب العدالة والتنمية تطوير سردية سياسية جديدة يقدمها للفئات الشابة.

السردية البديلة

هذه الأسباب وغيرها دفعت الحزب باتجاه سردية جديدة تتناسب مع المتغيرات الجديدة وعلى رأسها التحالف مع حزب الحركات القومية والاتجاه القومي في مؤسسات الدولة والجيش. ارتكزت هذه السردية على معانٍ مستمدة من المفاهيم القومية والإسلامية وتذهب باتجاه التركيز على مفاهيم مثل الاستقلال الوطني والسيادة والحفاظ على مؤسسات الدولة والمجتمع واستقرار الاقتصاد أمام محاولات الجهات الخارجية الساعية إلى استهداف هذه المكونات والتأثير عليها بهدف تعطيل ووقف طموحات تركيا ومساعيها إلى استعادة جزء من المكانة التاريخية التي تمتع بها.

ظهر هذا التوجه بشكل واضح في الانتخابات المحلية الأخيرة التي عقدت عام 2019، ودخلها الحزب متحالفًا مع حزب الحركات القومية، حيث كان شعار الحملة الانتخابية الأساسي “الانتخابات المحلية مسألة وجودية beka meselesi” وذلك في استدعاء واضح لمفاهيم تقليدية في السياسة التركية تركز على الخطر الخارجي ومساعي الدول الكبرى لتقسيم تركيا وسلبها ثرواتها وقرارها.

يعول حزب العدالة والتنمية على استقطاب الفئات الشابة من خلال هذه السردية التي تعمل على مخاطبة الشعور الوطني والقومي لها وبالتالي العمل على استقطابها بناءً على المفاهيم والقيم الوطنية، كما تعمل على تخفيف الأعباء السياسية للأزمة الاقتصادية وتفسيرها من خلال مقاربة ترتكز على فرضية أن جزءًا كبيرًا من الأزمة هو ناتج عن رغبة بعض الجهات الخارجية معاقبة تركيا وإعاقتها، بالتالي تخفيف اللوم الموجه نحو الحكومة وحزب العدالة والتنمية على الأداء الاقتصادي.

ختامًا.. الشباب والسردية الجديدة

ما زال من المبكر الحكم على نتائج وفعالية السردية الجديدة لحزب العدالة والتنمية تجاه الفئات الشابة، فالحكم في ذلك صندوق الاقتراع ونتائج الانتخابات، لكن من الممكن القول إن الجمهور التركي يصطف في العادة خلف الدولة ومؤسساتها في لحظات المواجهة، كما يظهر الجمهور التركي في العادة حساسية تجاه المفردات والمعاني المتعلقة بالسيادة والاستقلال الوطني ومواجهة الأعداء.

فوفقًا لمركز متروبول للدراسات والأبحاث فإن شعبية الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ترتفع في الأوقات التي تواجه فيها تركيا تحديات خارجية أو داخلية، وظهر ذلك بشكل واضح في المحاولة الانقلابية في 15 من يوليو/تموز 2016 والعمليات العسكرية شمال سوريا، بالإضافة إلى أزمة كورونا.

ويراهن الحزب على هذه المعطيات في كسب أصوات هذه الفئات خاصة في ظل التحديات الخارجية التي تواجهها تركيا وانعكست على أداء ومؤشرات الاقتصاد التركي، وبالتالي لم يكن أمام الحزب من خيار إلا الذهاب نحو تعبئة قوى المجتمع التركي وتعزيز مكونات الخطاب الوطني لضمان توفير غطاء شعبي لسياسات الدولة الساعية نحو تحقيق المصالح الخارجية التركية.

********

أردوغان: بفضل الجهود المبذولة ننظر إلى المستقبل بكل طموح

أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أنه بفضل الجهود التي بذلت في السنوات الـ 18 الماضية، جعلتهم اليوم ينظرون إلى المستقبل بكل طموح.

جاء ذلك في كلمة ألقاها خلال افتتاح مستشفى “البروفسور آصف أطاسيوان” التابع لجامعة “مرمرة” (حكومية)، السبت، في إسطنبول.

وقال أردوغان: “تركيا على رأس الدول التي تستعد لدخول حقبة جديدة عبر بنيتها التحتية المتطورة ومواردها البشرية الشابة والمتعلمة وإدارتها الثابتة والمستقرة”.

وأضاف: “في كل منعطف أو أزمة نمر بها، نكتشف أهمية وقيمة ما حققته تركيا من منجزات في السنوات الـ 18 الماضية في مجال البنية التحتية والخدمات العامة”.

وأردف:” لمجابهة خطط النيل من اقتصادنا، زدنا من إنتاجنا وصادراتنا، ومن فرص العمل وحجم النمو، ورفعنا سوية التكنولوجيا في البلاد. تجاوزنا سداد الفجوات في بنيتنا التحتية، إلى تأمين احتياجات بلدنا المستقبلية، لنمهد دخول تركيا بين أكبر 10 اقتصادات في العالم، إن كنا ننظر بطموح إلى المستقبل اليوم، فهذه ثمرة الجهود المبذولة في السنوات الـ 18 الماضية.

ولفت الرئيس التركي، إلى إعادة تشكّل العلاقات السياسية والاقتصادية في العالم، بعد وباء كورونا.

وأشار إلى أنّ بلاده باتت على مشارف مرحلة جديدة من أجل الديمقراطية والتنمية.

وقال :”استهدفوا حياتنا عبر محاولة الانقلاب (صيف 2016) وأرادوا التخلص منا وتركيع تركيا عبر المؤامرات الاقتصادية”.

وفي معرض افتتاح المستشفى، استطرد الرئيس التركي، في الحديث عن المنجزات الطبية التي حققتها حكومة العدالة والتنمية في السنوات الـ 18 الماضية من البلاد قائلا: “تركيا تغلبت بنجاح على كورونا في الفترة الحالية عبر امتلاكها مليونا و100 ألف موظف في القطاع الصحي”.

وأشار إلى أنّ أعداد أسرّة العناية المركزة في عموم المستشفيات التركية، تقترب من مثيلاتها في أوروبا كلها.

وأوضح أن مدينة إسطنبول لوحدها شهدت في فترة قريبة افتتاح مستشفيين للحالات الإسعافية، تضم كل واحدة منها 1008 أسرة، ومدينة باشاك شهير الطبية بـ ألفين و682 سريرا، ومدينة أوق ميدان- البروفسور جميل طاشجي أوغلو الطبية بـ 600 سرير.

وانتقد أردوغان، أطياف من المعارضة تحاول التقليل من شأن كل إنجاز تحققه تركيا، بمقارنتها بالدول الغربية قائلا: “في فترة الوباء، تجلت الحقيقة، وذابت المساحيق التجميلية من وجوههم، لقد عانت الدول المتقدمة في توفير الاحتياجات المرتبطة بالإنتاج، ابتداء من الكمامات وأجهزة التنفس، وصولا لمستلزمات الكوادر الطبية”.

وأشار إلى أنّ الدول المتقدمة نفسها سقطت في امتحان الخدمات الطبية لمواطنيها، ابتداء من القدرة الاستيعابية للمستشفيات ونقص الكوادر الطبية، انتهاء بنظام الضمان الصحي.

وشدد أردوغان على أنهم عازمون على إزالة مصدر كل تهديد يمس تركيا في سوريا والعراق والبحر المتوسط.

___________