بقلم علي عبداللطيف اللافي

مما لا شك فيه أن الصراع في ليبيا وخاصة بعد 2014 ما هو في الحقيقة إلا حرب بالوكالة يخوضوها ليبيون من ذوي الأفق الاستراتيجي الضيق باعتبار اشتغالهم ضمن فلك أذرع إقليمية رغم وعي بعضهم أن تلك الاذرع هي بطبيعتها خادمة لقوى ومحافل دولية والتي ليس لها من هدفين عمليين سوى “نهب ثروات ليبيا الهائلة والنادرة” ومن ثم “المرور بيسر للعمق الافريقي”.

ولكن كيف ستبحث تلك القوى الدولية وأذرعها الإقليمية خلال الفترة القادمة عن فُرص اقتناص عقود جديدة وخاصة في ظل قُرب الإعلان عن تسوية سياسية مرتقبة ستسمح بتشكيل حكومة وحدة وطنية – ستقوم أساسا بتهيئة الظروف الموضوعية لاستحقاقات 24 ديسمبر 2021- وهو ما يعني في الأخير وجود أفق لتنزيل استراتيجيات إعادة الاعمار في طار ما يعرف بمشروعي “استقرار شمال افريقيا” و”ازدهار القارة السمراء”؟

أولا: قصة الديون والتعويضات واقتناص العقود وفرص الاستثمار

تعتبر بعض الديون السابقة على الدولة الليبية والتي تُطالب بها بعض شركات أجنبية والتي سبق لها أن نفذت عدة عقود قبل وبعد ثورة فبراير، مُنطلقا بل وحافزا للقوى الدولية الكبرى وبعض أذرعها الإقليمية للضغط على المؤسسات والسلطات الليبية (حكومة الوفاق – الحكومة المؤقتة في الشرق ) بتحصيل الأموال أو استكمال المشاريع المتوقفة واقتناص عقود جديدة.

ذلك ما كشفته كواليس المشاورات الإيطالية والروسية، وقبلها المساعي الفرنسية والتركية إضافة لرسائل كوريا الجنوبية والصين، حيث أنه لدى كل من إيطاليا وروسيا وتركيا والصين وكوريا الجنوبية عقود بمليارات الدولارات مع النظام السابق بالإظافة إلى وجود التزامات للحكومات الليبية بعد ثورة 2011 مع دول مثل تركيا وإيطاليا وغيرهما من الدول.

وعمليا لم تتجرع بعض تلك الدول مرارة الخسارة الكلية أو الجزئية لتلك العقود، وبالتالي أحيت كُبرى شركاتهم ملفا لتعويضات (“تلف معدات ومواد”- “نقل عمال”- “فرص ضائعة”- “خسائر مختلفة من حيث تفاصيلها وآليات تقديمها”).

والجدير بالذكر أنه لغاية 2019 سدّدت حكومة الوفاق مثلا 40 مليار دينار ليبي من قيمة العقود البالغة 126 مليار دينار، التي كانت تستهدف تنفيذ مشاريع تنموية، فيما لا تُمثل القيمة المتبقية دَينا على الدولة الليبية حسب مسؤولين بالمجلس الرئاسي، وإنما تأتي مقابل أعمال لم يجر تنفيذها بسبب حالة القوة القاهرة والاضطرابات الأمنية والسياسية، كما يؤكد البعض أن “خليفة حفتر” قد ورط الدولة الليبية في عدد من الالتزامات والعقود وخاصة مع الروس.

ثانيا: روسيا بين تحصيل الديون والبحث عن عطايا كبرى مقابل التخلي عن إقامة قواعد عسكرية

لا يقارن حاصل ديون الشركات الروسية على عاتق ليبيا مع بقية القوى الدولية، ذلك أنه على مدى السنوات الماضية سعى الروس إلى إبرام اتفاق مع الحكومات المتعاقبة لتسديد كامل الديون المتراكمة منذ عهد الاتحاد السوفياتي، وهي ديون تُقدر بأكثر من سبعة مليارات دولار، إضافة إلى البحث عن تسهيلات للشركات الروسية للتنقيب عن النفط والغاز.

وبعد أيام من إطلاق حكومة الوفاق عميلين روسيين تم احتجازهما لمدة اكثر من سنة وهي خطوة فتحت الباب أمام الروس لاستعادة موقعها في قطاع الطاقة وعمليا أبدت شركة إنتاج النفط «تات نفط» اعتزامها بدء عمليات الإنتاج والتنقيب في عديد المواقع بعد توقف أنشطتها منذ بداية 2011، وتحدثت التقارير المختصة أن تلك الشركة تنوي بدء العمل في أربع رقع استكشافية جديدة بل أن إجمالي الإنتاج من تلك المشاريع سيبلغ نحو 50 مليون طن.

وعمليا حصلت نفس الشركة على عقد امتياز تطوير حقل في غدامس منذ 2005 قبل أن تفوز بثلاثة حقول أخرى في غدامس وسرت في العام 2006، كجزء من اتفاقية مشاركة الإنتاج. ومع ذلك توقفت جميع أعمال الاستكشاف في مارس 2011 ، ويومها تم إجلاء موظفي الشركة قبل أن تحاول العودة ولكنها غادرت مجددا سنة 2014 بعد تصاعد التوترات العسكرية بسبب مشروع حفتر الانقلابي .

ووفقا للمتابعين فان روسيا تُحاول من وراء موقفها القائم على علاقة تواصل مع جميع الأطراف والقول أنها مع حل سلمي للنزاع – رغم أنها ظاهريا محسوبة كداعم رئيسي لحفتر وقواته وحلفائه الإقليميين- وهي تهدف أساسا للحصول على موارد الطاقة والموانئ – وهو الاتجاه الذي يستمر في توجيه تفكير الكرملين- بعد ما كلّفت الحملة بقيادة حلف «الناتو» في ليبيا العام 2011 روسيا مكانتها، وهي التي أنفقت مليارات الدولارات على عشرات العقود.

والخلاصة أن اخراج الروس لن يتم الا بعطايا اقتصادية واسعة لهم مقابل تخلّيهم عن فكرة إقامة قواعد عسكرية في الأراضي الليبية رغم ان اتفاقيات قديمة على غرار اتفاقية “يالطا” قد تضعهم خارج منطق التواجد العسكري وهم أيضا تكتيكيا يُلاعبون بالملف الليبي للمساومة في ملف حماية خاصرتهم الإقليمية هناك على غرار “شبه جزيرة القرم” و”أوكرانيا”.

ثالثا: تركيا بين ملف التعويضات عن حقبة القذافي والعزم على تقييم إتمام مشاريعها غير المكتملة

الأتراك فعليا لهم أهداف مزدوجة سياسية وأخرى اقتصادية (خططهم وقائية وتكتيكية ضد المحور “المصري/الاماراتي”، أما اقتصاديا فهم أكثر حنكة وفاعلية في كل المفاهمات)، بينما يمكن القول أن تواجدهم العسكري هو مرحلي وتكتيكي ليس إلَّا، وهم أكثر تسرّعا في عقد تفاهمات مع حكومة الوفاق بهدف استمرارية مشاريعهم غير المكتملة، وحل المشكلات التي واجهتها مشاريع البناء المنفذة في ليبيا التي توقفت ولم تتمكن من تحصيل مستحقاتها.

وتفيد إحصائيات رسمية في أنقرة نشرتها أكثر من دورية مختصة أن القيمة الإجمالية لتلك المشاريع تبلغ 19 مليار دولار في ليبيا، في حين تبلغ الذمم المدينة غير المحصلة مليار دولار، ومبلغ الضمان 1.7 مليار دولار وخسائر أخرى بنحو 1.3 مليار دولار، ووفقا لتقرير لوكالة “رويتز”فإن تركيا تستعد لتوقيع اتفاق مع ليبيا بشان تعويضات تتعلق بعهد “القذافي”.

ومنذ أشهر دخلت اتفاقية اقتصادية مُوقعة بين حكومة الوفاق وأنقرة حيز التنفيذ، ورسمت خارطة طريق لمدة عام واحد للشركات التركية لتحصيل المستحقات غير المسددة عن طريق إتمام مشاريعها التجارية غير المكتملة، تمهيدا لمشاريع في مجالات البني التحتية والكهرباء، وقالت مصادر تركية خلال الأيام الماضية أن مسؤولو البلدين سيجتمعون لتقييم العملية، وأكدت نفس المصادر أن حجم مشروع قطاع البناء التركي وصل إلى 30 مليار دولار قبل توقف الأشغال في ليبيا، ومعلوم أن ليبيا تعتبر ثالث أكبر سوق لقطاع البناء التركي.

رابعا: الصين ومحاولات إعادة تشكيل نهجها في ليبيا

الثابت أن “الصين”حريصة بشكل كبير على أن تُصنّف أنها دولة على قدر كبير من الحياد بين طرفي الصراع وهو ما يُمكّنها من موقف قوي لإبرام صفقات مع أيّ حكومة مستقبلا وعمليا كانت “الصين” قد أبرمت عقودا بما يناهز 20 مليار دولار مع ليبيا منذ سنوات بل وانخرطت في أنشطة البُنية التحتية المختلفة، وفي بداية 2011 كان لديها 75 شركة في ليبيا، شملت أنشطتها 36 ألف عامل صيني يعملون في 50 مشروعا، بدءا من البناء السكني، والسكك الحديدية إلى الاتصالات السلكية واللاسلكية، ومشروعات الطاقة الكهرومائية.

ولتجنب فقدان مشاركتها في الاختراق الاقتصادي، تحاول “الصين” خلال السنوات الأخيرة إعادة تشكيل نهجها للتكيف مع الظروف المتغيرة لتعظيم مكاسبها إلى أقصى درجة، مع مراعاة النتيجة غير المعروفة للصراع، ومعلوم أنه في عام 2018 وقَّعت شركة النفط الحكومية الصينية عقدا كبيرا مع المؤسسة الوطنية الليبية للنفط بهدف مساعدة ليبيا على زيادة إنتاجها من النفط.

والأهم من ذلك، أن الشركات الصينية منخرطة بشدة في صناعة النفط الليبية، بخلاف الواردات، وفي العام 2010، كانت ليبيا توفر 3% من إمدادات النفط الخام في الصين، أي 3% من الإمداد لثاني أكبر مستهلك في العالم، الذي يشكل ما يقرب من 150 ألف برميل يوميا، أو عُشر صادرات ليبيا الخام ومما لا شك فيه أن الصين تضع ليبيا في سلم أولوياتها ضمن ما تسميه إعادة رسم طريق الحرير ولو بشكل غير مباشر نتاج الخيارات الامريكية في أفريقيا وخاصة في شمالها.

خامسا: إيطاليا والبحث عن ادامة التواجد متعدد الابعاد وكسب اعتراف ليبيا بمستحقات ما بعد 2011

مباشرة بعد الإعلان عن الإفراج عن الصيادين الصقليين في بنغازي انعقد الاجتماع الأول للجنة الفنية الاقتصادية الإيطالية المشتركة مع حكومة الوفاق عبر تقنية “الفيديو”، وقالت الخارجية الإيطالية يومها أن اللجنة عقدت اللقاء لمناقشة حل الديون المستحقة على الدولة الليبية لصالح الشركات الإيطالية، دون أن تذكر أي تفاصيل عن النتائج كما لم يرد في البيان حجم الديون موضوع النقاش.

لكن “مانليو دي ستيفانو”(كاتب الدولة لدى وزارة الشؤون الخارجية الإيطالية) كشف عن اتفاق على دفع ديون سابقة تطالب بها شركات إيطالية نفذت عدة عقود قبل 2011، وعمليا تبلغ تلك الديون نحو 323 مليون دولار سبق أن تم الاتفاق عليها مع حكومة “زيدان” بينما سيتعين فتح مفاوضات جديدة للاعتراف بالمستحقات لما بعد 2011 والتي تتراوح ما بين 50 و100 مليون يورو.

أما الطريق الساحلي السريع البالغ كلفته خمسة مليارات دولار، فسينتظر حتى خريف 2021 ليرى الانطلاقة الفعلية لأشغال الإنجاز وفق المسؤول الإيطالي، مضيفا أن هذا الطريق السريع «قد يأخذ قيمة رمزية للغاية كنوع من الطريق السريع للسلام» لتوحيد شرق وغرب ليبيا، وكشف نفس المسؤول عن طرح مناقصة خلال الصيف القادم للشركات الإيطالية لإنجاز 400 كيلومتر من الأشغال من “مصراتة” إلى “رأس اجدير”(بالقرب من الحدود مع تونس) ومن المتوقع أن يكون الغلاف المالي للمشروع نحو 1.5 مليار دولار.

لكن بدء الأعمال مشروط بإزالة الألغام وسلامة الطريق، وفعليا تُسابق روما الزمن لـ«استعادة نفوذها الاقتصادي بمواجهة التمدد التركي والنفوذ الروسي، خصوصا أن المبادلات التجارية مع ليبيا تراجعت من 15 مليار يورو في العام 2012 إلى ستة مليارات دولار العام 2019، حسب تقارير مختصين ومتابعي، كما أن دخول إيطاليا مجددا باب الوساطات بين طرفي الصراع وان كان مساحة امريكية مفتوحة لها منذ سنوات فان لها طابع التمهيد لاقتناص فرص جديدة اقتصاديا .

سادسا: فرنسا وحلفائها الإقليميين يبحثون عن حصص اقتصادية استراتيجية

فرنسا وبعض حلفاء اقليميين لها يقدمون أدوارهم السياسية المباشرة عبر مناصرة “حفتر” وخاصة بين 2014 و2019 قبل التباين بينهم والتردد في الدعم الكامل مستقبلا للجنرال المتقاعد وكل ذلك بحثا عن أدوار استراتيجية – والتي لا شك لها زوايا اقتصادية- فالفرنسيين حاضرين بقوة في “فزان” منذ عقود، وهم يملكون أوراقا عدة هناك بعضها اجتماعي وثقافي وخاصة في العلاقة بالتشاد والنيجر.

وطبعا الخلفية الاقتصادية حاضرة أيضا بقوة وخاصة لدى “المصريين” و”الفرنسيين” من حيث شركات البترول والغاز وتوابعها من شركات خدمات وصيانة إضافة لعمليات تسليح كبرى مرتقبة مستقبلا، ولكنها ستبقى مرتبطة بالأسماء الأولى للسلطة التنفيذية وهو ما يبرر الخطوات الفرنسية سياسيا على غرار لقاءات السفيرة الفرنسية أو استقبال “باشاغا” وما أثير عنه.

سابعا: الولايات المتحدة الأمريكية وسياسة توظيف الأذرع الإقليمية والقوى الوظيفية

الأمريكيون الأن يمسكون كل الأوراق في ليبيا، لقد تركوا مساحات لكل الأطراف بين 2012 و2019 وورطوهم في المستنقع الليبي، وان كانوا اليوم مُنزعجين وبشدة من مستقبل التواجد الروسي والصيني في ليبيا بل في كل افريقيا، فإنهم يعون جيدا ما يجري سياسيا واقتصاديا وهم يملكُون خرائط الاستثمار والثروات واستراتيجيات كل القوى دولية كانت أو إقليمية.

بعض تلك القوى تقوم في الواقع بأدوار وظيفية بل أن بعضها ما هم الا أذرع مسيّرة وخادمة للأمريكيين وأجهزتهم وشركاتهم وأمطار الجميع تصب عندهم، وكل العطايا الاقتصادية ستمر عبر جُبتهم وخيماتهم وما أكثرها في ليبيا.

وبالتالي فان الشركات الأمريكية ستكون سباقة في اقتناص الفُرص ووضع آفاق استراتيجيات إعادة اعمار ليبيا ذلك أنهم من يُحدد زمنها وفتراتها ويُعدل أوتارها السياسية والاجتماعية والاقتصادية ولعل عينهم طبعا على حوضي “نالوت” و”غدامس” وجبل “غريان” وثروات باطن بعض مناطق ومدن حدودية وخاصة في الجنوب.

ثامنا: مدى تأثير العطايا الاقتصادية على مواقف الدول واستثمار سنوات الدعم للوكلاء المحليين

بغض النظر عن حيثيات رحيل الملك “ادريس السنوسي” عن الحكم، والذي حدث ربما لرفضه منح جزء من عائدات النفط لغير الليبيين، وجاء القذافي وصرف جزء من تلك العوائد طوال عقود على ما قيل أنه حركات التحرر في العالم.

واليوم يخوض الوكلاء المحليون حربا بالوكالة كما بيّنا أعلاه لصالح أذرع إقليمية تصب عطايا عملها لصالح شركات عابرة لقارات وتخدم قوى دولية حتى يتم تحويل جزء من عائدات ثروات كل ليبيا من جديد لصالح آخرين ولتخدم اهداف غير أهداف اللّيبيين.

وذلك هو جوهر الصراع ومصباته الحقيقية كصراع دام منذ 2014 بل ودفع الليبيون ثمنه غاليا من وقتهم ومستقبل أبنائهم وبناتهم سواء كانوا مًهجّرين أو نازحين أو حتى صبروا على آذاء الحرب وتمسكوا بالعيش هناك في المدن والقرى الليبية وتلك ضريبة جديدة من أجل الأرض (السيادة الليبية الكاملة وغير المنقوصة).

***

علي عبداللطيف اللافي ـ كاتب ومحلل سياسي ومختص في الشؤون الافريقية

____________

المغاربي للدراسات والتحاليل