أ. د. الكوني علي اعبودة

فقرة ثالثة: التجميد وحقوق المتقاضين

بالعودة إلى تنظيم عمل دوائر المحكمة العليا – بما في ذلك الدائرة الدستورية ، نجد أن قانون المحكمة العليا المعدل بالقانون رقم (17 لسنة 1994) خص الدائرة الدستورية، والتي تباشرها الدوائر المجتمعة، بالفصل في الطعون التي ترفع من كل ذي مصلحة شخصية مباشرة في أي تشريع يكون مخالفا للدستور.

وكذلك النظر في أي مسألة قانونية جوهرية تتعلق بالدستور أو تفسيره تثار في قضية منظورة أمام إحدى المحاكم (مادة –23 أولا وثانيا)، أي أن التجميد طال مهام الدائرة الدستورية كافة (أولا)، وليس من المؤكد أن المحاكم ستعوض عمل تلك الدائرة (ثانيا).

أولا: التجميد والحق في الطعن وفي الدفع بعدم الدستورية

نظام الرقابة على دستورية القوانين في ليبيا تميز، منذ عام 1953، بتكريسه لحق كل من يتأذى – ولو بشكل غير مباشر ـ من مخالفة التشريع للدستور، في أن يطعن فيه أو يدفع بعدم دستوريته لكي يمنع تطبيقه عليه، بل أن المصلحة وفقا للمحكمة العليا: “تقوم من الوهلة الأولى دون انتظار لتطبيقه بالفعل (..)” (طعن دستوري رقم 3-6)، وغني عن البيان أن تجميد عمل الدائرة الدستورية معناه عمليا:

1ـ حرمان الأشخاص من حقهم في الطعن مباشرة بعدم احترام الإعلان الدستوري الذي يشكّل مصدر الشرعية حاليا أو المشروعية وفقا للمحكمة العليا. وحتى لو قيل أن في مقدور الأشخاص مباشرة الحق في الطعن وفق الإجراءات المقررة، فإن هذا الطعن سيبقى مجمدا، وهو ما سيقود إلى تراكم الطعون ويتسبب في تغذية بطء العدالة الذي يعاني منه نظامنا القضائي. المهم أن سريان القوانين من حيث المبدأ يتعلق بمجرد النشر في الجريدة الرسمية، وستطبق ولو كانت مشوبة بعيب عدم الدستورية، بحسبان أن الأصل هو الصحة إلى أن تحكم الدائرة الدستورية بعدم دستوريتها!

2ـ ولا يقف الأمر عند الحق في الدعوى، لأن التجميد يعطّل، أيضا، عمليا، الحق في الدفع: ما من شك في أن المتقاضي الذي يجب نفسه معرضا لتطبيق تشريع عليه (قانون أو لائحة) يمكنه أن يثير ذلك أمام محكمة الموضوع، ولكن ما هي النتيجة؟ تعطيل نظر القضية إذا اعتمدت المحكمة الدفع، فلا هي قادرة على السير فيها، ولا نجدة من الدائرة الدستورية المعطلة.

وبالتالي يواجه المتقاضي وضعا يتنافى مع القانون والعدالة في نفس الوقت بتجريده من وسيلة حماية حقوقه، وماذا يعني الحق بدون حماية؟ قد يقال إن هذه الخلاصة السلبية لا تعكس الواقع بالضرورة لأن المحاكم وهي تمارس وظيفتها يمكنها تعويض الخلل.

ثانيا: المحاكم وتقليص آثار التجميد

تجميد عمل الدائرة الدستورية ونتائجه تجميد عمل الدائرة الدستورية ونتائجه غير المحمودة على حقوق المتقاضين، وفقا لما ذكر أعلاه في الفقرة السابقة، تثير التساؤل عن مدى إمكانية تعويض ذلك بالرجوع إلى المحاكم الدنيا لطلب الحكم باستبعاد النص المخالف للقواعد الدستورية النافذة؟ كما سبقت الإشارة أنه بعد إعادة تنظيم المحكمة العليا عن رقابة الدستورية بسبب غياب النص الذي يمنحها الاختصاص، انتقدت موقفها ذاك، لأنه من غير الممكن تطبيق نصوص تتعارض مع الدستور أو ما في حكمه تطبيقا لمبدأ تدرج التشريعات.

فوظيفة القاضي تملي عليه التحقق من صحة القواعد الواجبة التطبيق، وهو عندما يستبعد القواعد المخالفة، لا يخرق مبدأ الفصل بين السلطات لأن رقابته هنا هي من قبيل رقابة الامتناع التي لا تتطلب وجود نص يقررها. فهل يمكن إعمال هذا التحليل في الواقع الحالي القائم على وجود الاختصاص الحصري للدائرة الدستورية بالمحكمة العليا، وعدم فاعليته الواقعية بسبب التجميد غير الشرعي وغير المشروع الذي صدر عن الجعية العمومية للمحكمة؟

يبدو أن الإجابة يجب أن تكون بالنفي، لأن الظروف ليست ذاتها فالمشرع اليوم ليس ضد الرقابة، بل المعارضة جاءت من القضاة المكلفين بحراسة الشرعية وحسن تطبيق القانون. ونظّم القانون الوسيلة لحملهم على تغيير موقفهم، وذلك من خلال إجراءات المخاصمة التي نظمها قانون المرافعات: فالقاضي يخاصم في أحوال محددة حصرا في المادة 720 ومن بينها حالة إنكار العدالة أو التأخير في أدائها دون مبرر.

قد يقال أن التجميد الذي قامت به الجمعية يشكل مبررا يحون دون مخاصمة الدوائر المجتمعة المختصة بنظر الطعون والمسائل الدستورية، غير أن هذا القول مردود عليه، لأن مبدأ تدرج التشريعات وكفالة حق التقاضي أولى بالإعتبار.

ولعل في تاريخ الرقابة على الدستورية في ليبيا ما يؤكد فعالية هذه الوسيلة – اللجوء إلى التهديد بالمخاصمة ، فبعد إعادة الاختصال برقابة الدستورية للمحكمة بالقانون رقم 17 – 1994، وتلكؤ الجمعية العمومية للمحكمة العليا في إصدار اللائحة الداخلية المحال عليها، هدد بعض المحامين رئيس المحكمة باللجوء إلى المخاصمة إذا لم يتم إصدار اللائحة، وهو ما تحقق عام 2004.

على أية حال، لجأ أحد المحامين إلى طريق آخر وهو الطعن في قرار التجميد أمام القضاء الإداري، كما سبقت الإشارة، واستجابت دائرة القضاء الإداري بمحكمة استئناف طرابلس للطلب، وألغت القرار المعني، وهو مسلك طبيعي، لأن قانون القضاء الإداري رقم 88-1971 أجاز الطعن أمام دوائر القضاء الإداري بمحاكم الاستئناف في القرارات الإدارية النهائية (مادة 2) متى كان أساس الطعن هو عدم الاختصاص أو وجود عيب في الشكل أو مخالفة القوانين واللوائح أو الخطأ في تطبيقها أو تأويلها أو إساءة استعمال السلطة، غير أن هذا الطريق ليس هو الطريق الأقصر ذلك أن حكم الدوائر ليس باتا، بل يجوز الطعن فيه بالنقض أمام الدائرة الإدارية بالمحكمة العليا، مع ما يتطلبه ذلك من وقت واحتمال أن ينقض، مما يعيدنا إلى المربع الأول.

ولكن الطريق ـ المخاصمة ـ وإن كان هو الأنسب والأقصر ربما بالنظر إلى أن الدعوى ترفع مباشرة أمام المحكمة العليا، غير أنه ليس كاملا أيضا، فالاختصاص يعود بعد حكم الدائرة المختصة بجواز المخاصمة، للدوائر المجتمعة بالمحكمة العليا (مادة 725 مرافعات).

غير أن استبعاد مساهمة محاكم الموضوع في تعويض دور الدائرة الدستورية لا يعني التقليل من دور آخر لها في رقابة المشروعية خارج المسائل ذات الطابع الدستوري، وهو ما شكل ملاذا استغله أصحاب المصالح المتعارضة، وبشك خاص القضاء الوقتي (نظام الأوامر على العرائض والدعاوي المستعجلة)، إلى حد عقد المشهد بشكل أكبر وزاد من حدة انقسام المؤسسات المختلفة.

***

أ. د. الكوني علي اعبودة ـ كلية القانون طرابلس

______________

مجلة الميزانـ عدد تمهيدي رقم (0) ـ عدد متخصص حول الحق في الوصول إلى العدالة في ليبيا ـ مايو 2022.

مواد ذات علاقة