Minbar Libya

بقلم رشيد خشانة

خيمت مناخات الحرب على ليبيا طيلة العام 2019 بعدما أطلق القائد العسكري للمنطقة الشرقية خليفة حفتر في الرابع من أبريل الماضي، حملة عسكرية لمحاولة السيطرة على العاصمة طرابلس.

وسرعان ما تحولت الحملة إلى حرب استنزاف بسبب تعادل القوى، على نحو عجز معه أحد الطرفين عن حسم المعركة لصالحه.

ولعبت الطائرات المُسيرة، للمرة الأولى في تاريخ الحروب، دورا حاسما في “معركة طرابلس” إذ أمدت الإمارات القوات الموالية لحفتر بهذا النوع من الطائرات، فيما حصلت القوات المؤيدة لحكومة “الوفاق” على طائرات مُسيرة من طراز “بيرقتار” من تركيا.

مرحلة التدويل

التطور اللافت الآخر في العام تمثل بظهور تقارير أكدت اعتماد طرفي النزاع في ليبيا على مسلحين من تشاد والسودان، ومن بينها التقرير السنوي الذي أعده فريق الخبراء التابع للجنة الجزاءات المعنية بليبيا في المجلس الدولي، والذي أفاد أن جماعات مسلحة تشادية وسودانية تدعم قوات حفتر والقوات المؤيدة لحكومة الوفاق على حد سواء.

كما اتهم التقرير، الذي غطى الفترة من 5 أيلول/سبتمبر 2018 إلى 20 أكتوبر 2019 الطرفين بتلقي أسلحة ومعدات عسكرية من الأردن والإمارات وتركيا بـ”صورة منتظمة، وأحيانا بصورة شديدة الوضوح”.

ومع تدفق السلاح على كل فريق من حلفائه الدوليين، تدحرجت الأزمة الليبية إلى مرحلة التدويل، وأهدرت فرصة تاريخية لعقد ملتقى مصالحة، كان مُقررا أن يجتمع في مدينة غدامس الليبية (شمال غرب) في الفترة التي شن فيها حفتر حربه على طرابلس.

وبذلك قطع الطريق أمام الاستعدادات التي سبقت ملتقى غدامس، وتمثلت في عقد 77 اجتماعا شارك فيها 6000 ليبي، وأنتجت 80 ألف ورقة، لُخصت في 22 ورقة، وشملت كل المجالات.

بعد إجهاض ملتقى غدامس، واحتدام الصراع بين القوى العظمى المتنازعة على ثروات ليبيا، عملت الديبلوماسية الألمانية على عقد مؤتمر دولي في برلين، قالت إنه يرمي لإنهاء الخلافات بين الدول الكبرى المتداخلة في الملف الليبي، مُستثنية الليبيين وممثلي دول الجوار.

وبالمقابل، دعت كلاً من مصر والإمارات والسعودية وتركيا إلى المؤتمر.

وشجعت هذه المبادرة الإيطاليين، بدورهم، على دعوة دول الجوار إلى اجتماع في روما، الأسبوع الماضي، مُبررين احتضانهم الاجتماع بأنه “وسيلة لنقل صوت شركائنا الأكثر تضرراً من الأزمة، إلى مائدة المؤتمر الدولي المقرر في برلين” على ما قالوا في بيان.

الروس يدخلون على الخط

حاولت الأمم المتحدة بناء تفاهم دولي، بمساعدة ألمانيا، من أجل إيجاد أرضية مشتركة للحد من الخلافات الدولية التي تؤثر بشكل بارز في استقرار ليبيا. لكن الذي حدث هو العكس تماما، إذ دخل الروس بقوة في 2019 على خط المنافسة على عقود إعادة الإعمار، وكذلك على خط الحرب بين حفتر وحكومة الوفاق، فظهر للمرة الأولى على الأراضي الليبية، مستشارون عسكريون يتبعون شركة “فاغنر” الأمنية الروسية الخاصة، وراوح عددهم، بحسب التقديرات، بين 200 و600 عنصر.

ومع دخول الروس على خط الصراع استشاط الأمريكيون غضبا، وأبدوا خشيتهم من نقل السيناريو السوري إلى ليبيا، فكثفوا الاتصالات مع كل من خليفة حفتر وحكومة الوفاق، وكانت دعوتهم حفتر إلى إنهاء حملته العسكرية على طرابلس من المواقف البارزة في 2019 وإن ظلت حبرا على ورق.

حالة سورية؟

على هذه الخلفية، المتسمة بتزايد الدور الروسي في الصراع الليبي، والاتجاه تدريجا نحو حالة سورية، أتت مذكرتا التفاهم، اللتان وقع عليهما كل من السراج والرئيس التركي اردوغان، في 27 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي.

وتخص الأولى ترسيم الحدود البحرية بين ليبيا وتركيا في شرق المتوسط، ودخلت حيز التنفيذ بعدما صدق عليها كل من البرلمان التركي والمجلس الرئاسي الليبي.

واعتبر معارضوها أن حكومة “الوفاق” غير مخولة اتخاذ قرارات استراتيجية من هذا الوزن، طبقا لاتفاق الصخيرات، الذي تشكلت الحكومة الحالية على أساسه. أما الوثيقة الثانية، فتتعلق بإرسال قوات تركية إلى ليبيا “إذا ما طلبت حكومة الوفاق الوطني دعما عسكريا”.

وأثارت المذكرة الثانية أيضا موجات من الردود العنيفة، خاصة في مصر واليونان وقبرص. ويرتبط هذا الموقف بالصراع الدائر بين البلدان الثلاثة وتركيا حول التنقيب عن الغاز الطبيعي في شرق البحر المتوسط.

لكن الظاهر أن هذه الخطوة هي مناورة مشتركة ليبية تركية لإفهام اللواء حفتر وحلفائه الاقليميين أن أنقرة لن تسمح بسقوط طرابلس، وأنها مستعدة لنشر قوات في ليبيا، ومد قوات “الوفاق” بالسلاح والعتاد.

والأرجح أن تركيا ستمضي في هذا السيناريو، إذا ما مالت كفة الميزان العسكري لغير صالح حكومة الوفاق.

إخفاق فرنسي

التطور البارز الآخر في هذا الملف هو الإخفاق المدوي للاستراتيجيا الفرنسية في منطقة الساحل والصحراء، بعد مقتل أعداد متزايدة من الجنود الفرنسيين والمحليين، سواء في مالي ضمن عملية “سرفال” (2013) أم في إطار عملية “برخان” (2015).

وانتقد رؤساء بلدان الساحل الخمسة ما اعتبروه “سياسة فرنسية فاشلة في ليبيا، فاقمت من أزمة دول الساحل، مؤكدين أن “تأجيج الفرنسيين ودول أخرى للصراع القائم بين الليبيين، شكل عاملا ساهم في نشر العنف بالمنطقة، ومنح الجماعات المسلحة فرصة للتحرك بكل حرية، وإنعاش تجارة السلاح”.

في خط مواز، تعالت أصوات عدة في العام الماضي للدفع في اتجاه حل سياسي للصراع، واجتمع معتدلون من الفريقين، وتوصلوا إلى أرضية للحوار والتسوية السياسية.

وكان مُفترضا أن يوقع عليها كل من السراج وحفتر في أبو ظبي، لكن الأرجح أن الأخير تراجع عن التوقيع استجابة لضغوط من حلفائه.

حزمتان من القرارات

كان مطروحا في تلك الأرضية التوافقُ على حزمتين من القرارات، الأولى تتمثل بتقليص عدد أعضاء المجلس الرئاسي من تسعة إلى ثلاثة فقط (السراج من الغرب وسيف النصر من الجنوب والعبَار من الشرق) وتنبثق من المجلس حكومة. وكان هناك اتفاق على أن تكون حكومة تسيير أعمال لا تتخذ قرارات استراتيجية، ومهمتها الأولى هي تنظيم الانتخابات.

وهناك شخصيتان فقط يجوز لهما أن تضعا فيتو على القرارات، هما السراج وحفتر.

أما الحزمة الثانية فتخص تشكيل مجلس الدفاع والأمن القومي، المؤلف من أربعة أعضاء هم السراج والقائد العام (حفتر) ووزيرا الداخلية والخارجية. وكان مقررا أن يتم رفع المشروعين إلى ملتقى غدامس مع أواسط ابريل الماضي.

غير أن الحملة العسكرية على طرابلس قوضت، من ضمن ما قوضت، تلك المساعي السلمية، وأرجأت ملف المصالحة إلى أجل غير مسمى.

ضبط قواعد الاشتباك

مع ذلك جرت محاولات جادة لتجاوز الانقسام وتم عقد اجتماع لمجلس النواب بحضور خمسين عضوا في القاهرة يومي 18 و19 أكتوبر، تلاه اجتماع مماثل في تونس بُغية تقريب وجهات النظر بين الأعضاء، تمهيدا لاجتماع المجلس بكامل أعضائه في مدينة غات الليبية، لمناقشة تشكيل حكومة وحدة وطنية.

كما قدم الايطاليون والفرنسيون، من ناحيتهم، عرضا مشتركا من روما، يقوم على ركيزتين أولاهما وقف إطلاق النار، والثانية التزام الأطراف المتداخلة في الأزمة الليبية بالامتناع عن تمويل الجهتين المتصارعتين، أو تزويدهما بالسلاح والعتاد.

غير أن هذه المبادرات لم تلبث أن قُبرت، وعلا صوت السلاح فوق كل الأصوات الأخرى.

في المحصلة يبدو أن مؤتمر برلين هو شأن أوروبيأوروبي لترتيب البيت الداخلي وضبط قواعد الاشتباك بين الدول الأوروبية بعضها بعضا، وكذلك بين الدب الروسي من جهة والذئاب الأوروبية من جهة ثانية.

والأرجح بعدما اكتملت ملامح تدويل الأزمة، أن الدور الذي يمكن أن تقوم به ألمانيا، بوصفها لاعبا جديدا نسبيا في الملعب الليبي، سيكون ضعيفا ولن يخفف من حدة الصراع، أو يقود إلى حوار ليبي ليبي يُفضي إلى مصالحة.

____________