Minbar Libya

بقلم د. نورة الحفيان

شهدت ليبيا منذ سقوط نظام القذافي عام 2011، العديد من التحولات الميدانية والسياسية، التي كان لها تأثير كبير في اضطراب مسار الأزمة الليبية، التي خلفت انقساما داخليا كبيرا والذي ساهم في تعاظمه بروز الدور الخارجي كعامل مؤثر في تفاقم الأوضاع الميدانية من خلال تحويل ليبيا لساحة حرب واقتتال من طرف قوى داخلية – خليفة حفتر-، وبإرادة القوى التي لها مصالح ومطامع جيوسياسية واستراتيجية في ليبيا.

الجزء الأول

في مقابل الاضطراب الأمني الخطير على الأرض، برزت على السطح محاولات حل الأزمة الليبية عبر الخيار السياسي، عبر مجموعة من المبادرات التي ساهمت فيها بعض الدول التي تتبنى الخيار السياسي كسبيل لحل الأزمة، ومن ضمن تلك الدول المغرب الذي حاول منذ بداية النزاع أن يلعب دورا محوريا في الملف الليبي يعتمد من خلاله على مبدأ الحياد الإيجابي والبناء كعنصر أساسي للدفع بالمسار السياسي لحل الأزمة.

هذا المسار الذي ساهمت من خلاله الدبلوماسية المغربية من خلال إحياءه عبر جولات مفاوضات الصخيرات، انتهت بالتوقيع على اتفاق بين أطراف النزاع الليبي في العام 2015، ومنذ ذلك الحين والمساعي المغربية يواجهها واقع عسكري وسياسي معقد نتيجة لحسابات جيوسياسية وتعاظم الاستقطاب الخارجي.

وقد شكل انقلاب خليفة حفتر على الحل السياسي بإعلانه شن عملية عسكرية على طرابلس، وتحول الصراع من داخلي إلى خارجي بدعم من قوى إقليمية ودولية، إحدى أبرز التحديات التي شكلت قيدا على دور الدبلوماسية المغربية وأضعف قدرتها في مواكبة الأحداث المتسارعة على المسرح الليبي.

وسوف يتم تناول أبعاد الموضوع عبر المحاور التالية:

أولا: تطورات المشهد الليبي

شهدت ليبيا بعد سقوط نظام القذافي، انقساماً داخلياً تحول إلى صراع عسكري، برز فعليا مع انطلاق العملية العسكرية التي أطلقها خليفة حفتر في العام 2014، هذه العملية التي أشعلت فتيل الأزمة وكانت سبباً في تقسيم ليبيا إلى معسكرين، معسكر خليفة حفتر والمليشيات الداعمة له، وفريق الوفاق والقوات التابعة لها.

وقد ساهم هذا الانقسام في زعزعة الأمن والاستقرار في ليبيا، وبالتالي ارتفاع وتيرة الصراع المسلح، الذي كان بيئة خصبة ومناسبة لتنامي أنشطة التنظيمات الإرهابية وبالتالي فسح المجال لها لممارسة أنشطتها التخريبية.

ولتفادي تفاقم الصراع الداخلي الذي تسبب فيه خليفة حفتر بإيعاز قوى إقليمية ودولية (حرب بالوكالة)، حاولت العديد من الدول تقديم مبادرات تسوية سياسية للأزمة الليبية وبرعاية أممية، كان أبرزها اتفاق الصخيرات 2015، لكن هذا الاتفاق عُرقل تطبيق مساره على إثر انقلاب الجنرال خليفة حفتر عليه وإعلان حليفه في الشرق مجلس النواب طبرق انسحابه من الاتفاق، وبالتالي إفشال المسار السياسي لحل الأزمة الليبية.

وقد عرف المشهد الليبي نقلة نوعية وتطورا عسكريا ملحوظا على إثر إعلان خليفة حفتر في أبريل 2019، إطلاق عمليته العسكرية تحت عنوان “معركة الكرامة” أو معركة طرابلس، والتي كان من بين أبرز أهدافها السيطرة على مدن الغرب الليبي للتمهيد لإسقاط حكومة فايز السراج المعترف بها دوليا، لتكون مفتاحا لاحتلال طرابلس العاصمة.

هذه الحملة العسكرية التي خلفت دمارا واسعا وارتكبت على إثرها مليشيا حفتر جرائم لا حصر لها في حق المدنيين الليبيين والتي صنفتها المحكمة الجنائية الدولية ضمن خانة جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية.

وعلى إثر ذلك، تصاعدت الحرب التي يديرها خليفة حفتر بدعم مباشر من قوى إقليمية وعلى رأسها الإمارات، مصر، والسعودية، وقوى دولية من ضمنها فرنسا وروسيا، ومن أجل ردع هذه العملية العسكرية التي خلفت مآسي إنسانية ودمارا اقتصاديا نتيجة تكبد القطاع النفطي والذي يعد المصدر الرئيسي للدخل في ليبيا خسائر فادحة نتيجة الاعتداءات المتكررة التي تعرضت لها الحقول والموانئ النفطية والتي وصلت إلى حد إغلاقها من طرف مليشيات حفتر، مما أدى إلى توقف شبه تام لعمليات الإنتاج النفطي.

قررت حكومة الوفاق الوطني الرد عن طريق إطلاق عملية عسكرية والتي تمت تسميتها بــــ “ عاصفة السلام” في 25 مارس 2020، بعد فشل جميع مبادرات التسوية السياسية التي تسعى لإيجاد حل نهائي للأزمة الليبية، وذلك جراء عرقلة خليفة حفتر وحلفائه للمسار السياسي الذي رسم مسارات لحل الأزمة على المستوى السياسي/الاقتصادي/الأمني، كان أبرزها الانقلاب على اتفاق الصخيرات وتعطيل جميع المبادرات التي أتت من بعده من ضمنها اتفاق موسكو، ومخرجات مؤتمر برلين.

وقد حققت العملية التي أطلقتها قوات الوفاق منذ انطلاقها، انتصارات عسكرية نوعية، على ضوء مساعدة عسكرية وفنية تركية، بحيث تحولت قوات الوفاق من موقع دفاعي إلى موقع هجومي، استطاعت من خلاله السيطرة على مناطق الغرب الليبي الممتدة على الشريط الساحلي إلى غاية الحدود التونسية.

وبالتالي إفشال جميع المخططات التي رسمها خليفة حفتر منذ إطلاق عمليته العسكرية، والتي انتهت بإعلان حفتر انقلابه على اتفاق الصخيرات الذي أبرم في العام 2015، ومن تم توليه قيادة البلاد في هذه المرحلة.

مدعيا أن الشعب الليبي قام بتفويض “القيادة العامة” لهذه المهمة التاريخية في ظل هذه الظروف الاستثنائية، هذه المحاولة التي مثلت هروبا من واقع الهزيمة الذي تلقتها ميليشياته على يد قوات الوفاق.

وذلك من أجل إظهار نوع من التفوق على المستوى السياسي لتعويض هزائمه الكبيرة التي مني بها وخسارته لأماكن حيوية وبالأخص تلك المحاذية للحدود التونسية.

وقد تمثلت أهم الانتصارات الميدانية لقوات الوفاق في التالي:

تحرير مدن الساحل الغربي:

سيطرت قوات حكومة الوفاق على مدن الساحل الغربي، التي تمتد من مصراتة إلى معبر رأس جدير على الشريط الحدودي مع تونس، وذلك بعد عملية عسكرية ممركزة تمكنت على إثرها من استعادة جميع مدن الساحل والتي تحظى بمكانة جيوستراتيجية كبيرة وعلى رأسها صبراته والصرمان والعجيلات وزلطن وغيرها.

وقد شكلت هذه السيطرة انتصارا استراتيجيا مهما لقوات الوفاق، وإحدى الأوراق الرابحة التي كانت سببا في بداية انهيار ميليشيات حفتر لكونها المنطقة التي تشكل القاعدة الرئيسية لعملياتها في الخط الأمامي ضد العاصمة، لأنها كانت تعتبر معبراً حيوياً لتدفق القوات والآليات العسكرية من الشرق. بالإضافة إلى أهميتها الاقتصادية نتيجة تموقع أهم الحقول النفطية وحقول الغاز هناك والتي كانت تحت سيطرة هذه الميليشيات.

معركة قاعدة الوطية:

تمكنت قوات حكومة الوفاق الوطني من السيطرة على قاعدة الوطية الاستراتيجية ومحيطها بالكامل بعد دحر ميليشيا حفتر منها على إثر سلسلة من الغارات المتواصلة التي استهدفت تمركزات لها، بحيث تم تدمير المقومات العسكرية لهذه الميليشيات، كان أبرزها تدمير منظومة الدفاع الجوي الروسي “بانستير” إلى جانب طائرات دعمت بها الإمارات سلاح الجو التابع لخليفة حفتر، والقضاء على العديد من مخازن الذخيرة وصواريخ غراد إلى جانب تحييد العديد من عناصر ميليشيا حفتر بين قتيل وجريح.

وقد شكل تحرير قاعدة الوطية انتصارا نوعيا لقوات الوفاق في المنطقة الغربية، خصوصا أن القاعدة تعد من أكبر القواعد العسكرية بالمنطقة وكانت تشكل المعقل الرئيسي لهجومات حفتر ، باعتبارها مركز القيادة لعملياته في الغرب ونقطة الوصل للقوات القادمة من الشرق، والتي سيطرت عليها لما يقرب من ست سنوات واستخدمتها لتنفيذ هجماتها المتواصلة على طرابلس والمناطق المحيطة بها، وهي قاعدة تمتد من غرب طرابلس وصولا إلى الحدود التونسية.

تحرير حدود طرابلس ومدينة ترهونة:

تمكنت قوات حكومة الوفاق في إطار عملياتها العسكرية من إحكام السيطرة على الحدود الإدارية للعاصمة طرابلس، بعد تطويقها لمناطق عديدة في الغرب الليبي في محاور جنوب وجنوب شرقي طرابلس، بالإضافة إلى سيطرتها على مطار طرابلس الدولي، والعديد من المعسكرات من أبرزها معسكر اليرموك.

أما السيطرة على مدينة ترهونة فشكلت هي أيضا إحدى أبرز الانتصارات الميدانية لهذه القوات، لأنها تعد البوابة الرئيسية نحو الجنوب الشرقي للعاصمة طرابلس. وقد كان لسلاح الجو الدور الأساسي في الدخول لها وإحكام السيطرة عليها، وعلى أجواء المنطقة الغربية. وبإسقاطها يسدل الستار على آخر معاقل خليفة حفتر في الغرب الليبي.

معركة سرت الجفرة:

على إثر هذا التقدم الميداني، أعلنت قوات الوفاق الشرعية، إطلاق عملية “دروب النصر” لتحرير مدن شرق ووسط البلاد ومن أهمها سرت -الجفرة من الميليشيات والمرتزقة التابعين لخليفة حفتر. وقد بدأت العملية بتحرير بلدات الوشكة وبويرات الحسون، وجارف، وأبو هادي، وذلك في سبيل تسهيل مهمة الدخول إلى سرت ومحاورها.

وبالفعل، قامت قوات الوفاق بإحراز تقدم ميداني نحو سرت، عن طريق إحكام سيطرتها على نواحي المدينة من خلال تحكمها على محاور بوابة الثلاثين والمحطة البخارية في سرت، الأمر الذي سهل من مهمة توجيه ضربات هادفة ومتتالية عبر سلاح الجو التابع لها وذلك من أجل تدمير القدرات العسكرية لميليشيا حفتر بهذه المناطق، كما تمكنت أيضا من إلحاق أضرار بسلاح الجو التابع لحفتر المدعوم إماراتيا في مدينة سرت.

إن الضربات الجوية الدقيقة لسلاح الجو الليبي لم تتوقف عند هذا الحد، بحيث تمكن من قصف العديد من المواقع التي تتحصن فيها ميليشيا حفتر ومن أهمها قاعدة القرضابية العسكرية، واقادوقو بمدينة سرت.

هذه الضربات التي خلفت خسائر فادحة في الأرواح والعتاد التابع لميليشيا حفتر. كما سهل هذا التفوق الجوي من مأمورية القوات الميدانية بحيث أعلنت هذه الأخيرة تحريرها لمنطقتي جارف والقبيبة جنوب سرت من مليشيا حفتر.

وبعد مرور أربعة أشهر على عملية “عاصفة السلام” التي أطلقتها قوات الوفاق التابعة للحكومة الشرعية المعترف بها دوليا، استطاعت هذه الأخيرة من خلالها قلب المعادلة الميدانية لصالحها وانتقلت من موقع دفاعي إلى موقع هجومي، بحيث حققت على إثرها انتصارات استراتيجية نوعية دحرت خلالها ميليشيا حفتر وجعلتها تتكبد خسائر لا حصر لها خصوصا في محور الساحل الغربي الليبي.

وقد كان لتركيا الحليف الرئيسي للحكومة الشرعية دور فاعل ورئيسي في مساعدة قوات الوفاق في قلب موازين القوة لصالحها عن طريق دعمها عسكريا وأمنيا وذلك تطبيقا لنصوص مذكرتي الاتفاق المبرمة بين الطرفين.

كما كشفت هذه العملية مدى الضعف الذي تعاني منه ميليشيات حفتر، بحيث أثبتت مدى هشاشة قواتها التي تعتمد بشكل كبير على المرتزقة التي يتم تجنيدهم من الخارج والذين لا يتمتعون بالخبرة الميدانية، وذلك ظهر بشكل كبير في هذه العملية العسكرية، وذلك من خلال فشلها في مجاراة التخطيط التكتيكي الممنهج والمنظم لقوات الشرعية، واختبارها الذكي لتوقيت العملية الذي جاء في ظرفية مناسبة تعيش فيه قوى الدعم الخارجي لحفتر صعوبات كبيرة، في ظل التقلبات المناخية لسوق النفط العالمية وأزمة وباء كورونا.

وتمثل سيطرة قوات الوفاق على الغرب الليبي، ووصوله الميداني لحلقة الوصل بين الغرب والشرق، وهي مدينة سرت، فرصة ثمينة بالاتجاه نحو الشرق، وبالتالي القضاء على المعقل الرئيسي لخليفة حفتر، هذه السيطرة الميدانية التي سوف تشكل نقطة تحول مهمة في الملف الليبي، لأنها سوف تكون نهاية للمسار العسكري، وبالتالي بداية تأسيس وإرساء للمسار السياسي الذي يعتبر إعادة بناء للدولة التي دمرتها الحرب منذ 2011 إلى حدود الآن.

البقية في الجزء الثاني

***

د. نورة الحفيان ـ باحثة مغربية، حصلت على درجة الدكتوراه في القانون الدولي العام، والعلوم السياسية، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، سلا، المغرب، نوفمبر 2015.

____________