Minbar Libya

اعداد : د. محمد عبدالحفيظ الشيخ

تهدف هذه الدراسة الى تسليط الضوء على دور العامل الخارجي في عملية التحول الديمقراطي في ليبيا بعد عام 2011، منطلقين من فكرة مُفادها أن العامل الخارجي وفي مقدمتها تنافس القوى الإقليمية والدولية في ليبيا ساهم في توجيه مسار التحول الديمقراطي بعيداً عن طموحات الشعب الليبي،

الجزء الثاني

المطلب الأول: التحولات السياسية في ليبيا منذ الاستقلال وحتى عام 2011

نالت ليبيا استقلالها في 24 كانون الأول\ديسمبر عام 1951 عن طريق هيئة الأمم المتحدة، وبقرار من الجمعية العمومية في سابقة هي الأولى من نوعها بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وأصبحت ليبيا دولة ملكية بقيادة الملك إدريس السنوسي، إذ شهدت البلاد تحت قيادته تغييرات كثيرة طالت الدولة والمجتمع على حد سواء، كما بدث في طريقها لقطع مرحلة مهمة نحو مسيرة التحديث، إذ عنى السنوسي وحكومات عهده المتتالية بسياسة تطوير البلاد في المجالات المختلفة، وتمكنت من تحقيق إنجازات حقيقية في مجالات التنمية، وساهمت في رفع معدلات وأداء الاقتصاد الوطني وفي رفع مستويات المعيشة، دون إغفال الدور المحوري الذي يؤديه النفط في ليبيا المعاصرة، فقد كان له دورا حاسما في تحديد موقع ليبيا في استراتيجيات القوى الكبرى، وغالبا ما ارتبطت سياسات هذه الدول بمصادر النفط والغاز الليبي، بينما كان للبنى الاجتماعية والثقافية السائدة أيضا أدوارا حاسمة في هذا المجال.

بقيت ليبيا تحت سلطة الملك إدريس السنوسي حتى تاريخ الأول من أيلول\سبتمبر 1969 عندما انتهز القذافي الذي كان في ذلك الوقت ضابطا برتبة ملازم في الجيش وجود الملك السنوسي خارج البلاد لتلقي العلاج ونفذ انقلابا عسكريا باسم ثورة الفاتحليعلن قيام الجمهورية العربية الليبية.

استطاع القذافي منذ انقلابه العسكري، أن يوفر البيئة الداخلية المناسبة لاستمرار حكمه، فقد جعل الناس في وضعية تجبرهم على العمل من أجل البقاء، وليس الانشغال بقضايا الحكم والسياسة، رغم إدعائه بأن الشعب هو الحاكم، وهو ما أفرغ العملية السياسية من أي محتوى، قضى على الحياة السياسية في ليبيا، فمنع أي شكل من أشكال التعبير أو الاحتجاج.

لأن القذافي كان يريد بناء دولة بطريقة ترضى طموحات الشخصية، وتشفي غروره، باعتباره حكيما ذا بصيرة وصاحب رسالة وفلسفة بوسعها علاج جميع مشاكل البشرية، فقد قاد ليبيا في مغامرة شاملة، عندما تفتق عن دهنه نظام حكم جماهيري مدعيا تطبيق الديمقراطية المباشرة، فلم تعد سلطة الشعب كونها مجرد قناع لحكمه الاستبدادي، الذي لا يقبل أية معارضة ويرفض حرية التعبير، وجعل من نفسه قائدا أبديا للثورة“.

وهكذا دخلت ليبيا مرحلة جديدة في تاريخها، وعرفت تطورات كان مركزها القذافي على مدى أربعة عقود متتالية. أدار القذافي البلاد بطريقة أدت إلى إهدار الأصول الطبيعية والمالية والوطنية، بل تجاوزت جرائمه الهدر المادي، تسعى إلى خلخلة وتدمير القيم الاخلاقية، وهي السياسة التي أدت إلى تعطل ثقافة المجتمع السياسية وإفسادها رغم أهميتها كعنصر أساسي للتنمية.

فقد ولدت سياسات القذافي المهينة للكرامة البشرية وحرمان الناس من أبسط حقوقهم حالة من الاحتقان السياسي، عبر الليبييون عنها في أشكال مختلفة من المعارضة والرفض، وبدأت محاولات التغيير، ولم تقتصر على الجيش فحسب، بل امتدت إلى التنظيمات الأخرى والتي بذلت كل ما في وسعها للإطاحة بالنظام الدكتاتوري.

وبالتالي توالت المحاولات الانقلابية، وقدم الليبيين قوافل من الشهداء والضحايا، الأمر الذي يعني أن مقاومة نظام القذافي المستبد لم تتوقف طيلة العقود الأربعة الماضية. ولم تفلح المناداة بالتغيير والإصلاح، خاصة بعد أن تأكدت مساعي القذافي للسيطرة على الحكم كان هدف الأساس. وبدلا من أن يجعل من ليبيا بما تملكه من روافع اقتصادية كبيرة مقارنة بعدد سكانها المحدود، ومن خلال نظام حكم ديمقراطي، دولة حديثة نموذجا، مؤثرة إيجابيا في محيطها العربي والأفريقي أيضا، أصبح نظام القذافي يمثل واحدا من أبشع الأنظمة التسلطية، وبامتياز.

ظلت ليبيا كغيرها من البلدان العربية القلائل ساحة شبه مقفولة من التأثير الخارجي إبان حقبة القذافي الطويلة، وتعزى تلك الحالة لطبيعة نظام القذافي شديدة الحساسية من أي اختراق ولو كان تحت أي مسمى، واستمرت ليبيا ساحة تساس بأجندة داخلية شبه محضة من وحي نفس القذافي، الذي كان يدرك تماما أن من شأن انفتاح الداخل لمؤثرات الخراج أن يلحق بحكمه الحصري أضرار خطيرة.

وعليه، قطع الطريق أمام أي تدخل ومعها سد باب المخاطر الأمنية الداخلية، سوى أن قبضة القوة التي بها استعان على تحقيق موضعه الاستقرار والأمن كانت تراكم احتقانات ومظالم لا حصر لها، فهو عندما سد خطر التأثير الخارجي، ولم يفطن إلى تنفيس داخلي يحول دون انفجار جدار الكبت الداخلي.

ومن أن بدأت بواكير التحول الديمقراطي تطل برأسها على المنطقة العربية، وصداها يملأ الآفاق كانت ليبيا غائبة عن كل تلك التطورات، باستثناء شعارات ومسميات فارغة المحتوى، وليس معنى ذلك أن الدول العربية كانت أحسن حالا، إلا ببعض الاصلاحات التجميلية، التي لم تؤدي إلى تغييرا حقيقيا، أو تفكيكا لبنى الدولة التسلطية القائم \، وعليه، أصبح التداول السلمي على السلطة غير ممكن مما جعل التغيير عن طريق العنف والانقلابات العسكرية ميزة وسمة أساسية للمشهد السياسي الليبي.

من جانب آخر، اتسمت علاقات ليبيا بالقوى الغربية ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية بالتوتر، نتيجة استخدام نظام القذافي شعارات معادية للغرب والتهجم على الولايات المتحدة وسياساتها الخارجية، بل حرّض على مهاجمة مصالحها ووجودها بدءً من الهجوم على السفارة الأمريكية بطرابلس وإحراقها في كانون الأول \ ديسمبر 1979.

بناء عليه، بادرت الولايات المتحدة بقطع العلاقات الدبلوماسية مع ليبيا من جانب واحد في عام 1989، وقامت إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغانبتشديد العقوبات الدبلوماسية بحجة أن النظام الليبي السابق يدعم الإرهاب، بل ذهبت أبعد من ذلك، عندما قامت بقصف منزل القذافي وبعض المنشآت الليبية في 15 نيسان \ أبريل 1986، وبررت أمريكا ذلك الهجوم بأنه رد على عملية إرهابية كانت قد اتهمت ليبيا بارتكابها.

كما أصبحت ليبيا، ولعدة سنوات، مصدر قلق وتهديد لدول الجوار العربي والأفريقي والتي كان أسوأها الدخول في حرب مع تشاد، وتدخل ليبيا في شؤون الدول الأخرى خصوصا الأفريقية، فضلا عن مساندة النظام الليبي السابق ودعمه للعديد من المنظمات الارهابية وحركات التمرد في كثير من الدول (تشاد والسودان مثلا). فضلا عن ذلك، فقد كان متهما بالوقوف وراء استهداف طائرة يو تي إيهالفرنسية عام 1989، ومسؤولية عن تفجير طائرة بان أميركانفوق بلدة لوكيربي باسكتلندا.

تجدر الإشارة إلى أن حادثة لوكربي كانت مناسبة لفرض عقوبات أمريكية ودولية على ليبيا لعدة سنوات على اعتبار أنها دولة مارقة ظل اسمها على لائحة الداعمين للإرهاب لعقود. بين أن التطورات الإقليمية دفعت القذافي إلى إعادة التفكير في خياراته، إذ قرر عام 2003 التخلي عن سياساته المعادية للغرب، وقدم بموجبها تنازلات كبيرة وبدون مقابل، دفع من خلالها تعويضات هائلة لأهالي ضحايا طائرة لوكيربي، وتفكيك البرنامج الليبي النووي وتسليمه إلى الغرب، كما أنه تعاون مع الولايات المتحدة بشكل كامل في الحرب على الإرهاب.

وقد توجت باستئناف العلاقات الدبلوماسية مع الغرب في حزيران\ يونيو 2006، ورفع اسم ليبيا من قائمة الدول الداعمة للإرهاب، كما سعت الإدارة الأمريكية مدعومة بالشركات النفطية لجعل الكونغرس لا يمدد تلك العقوبات ويسمح بتجديد نشاط شركات النفط في ليبيا.

ومن اللافت للنظر أن الولايات المتحدة لم تقرن إسقاط اسم ليبيا من لائحة الدول الداعمة للإرهاب وتطبيع العلاقات الدبلوماسية معها ببعض الشروط ذات الصلة بالإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي، أو نتيجة اتخاذه خطوات في هذا الاتجاه، بل لأنه أصبح يتماشى واعتبارات السياسة الأمريكية وتوجهاتها وبما يحقق مصالحها، وهو ما يدل على أن ذلك ليس من أولويات واشنطن، بل أضحت أيضا علاقات الولايات المتحدة بالدول الأخرى محكومة بدرجة تأييدها لها في حملتها ضد الإرهاب وليس بمدى ديمقراطية هذه الدول.

اندلعت الاحتجاجات الشعبية في المنطقة العربية ابتداء من تونس في الربع الأخير من العام 2010، مرورا بمصر. ولم يمض وقت طويل حتى أضحت ليبيا ساحة لاحتجاجات مماثلة، حينما بدأت الاحتجاجات الشعبية في السابع عشرة من شباط \ فبراير 2011 بعد أكثر من أربعة عقود من حكم القذافي الاستبدادي، للمطالبة بالحرية الديمقراطية، بدأت هذه الاحتجاجات سلمية، ولكن عناد القذافي ووحشيته قادت إلى انتفاضة مسلحة بينها والنظام الذي ساند القذافي في معركته العبثية، والدخول في حرب واسعة النطاق لم تجتح البلاد فحسب، وإنما أدت إلى تدخل قوات حلف شمال الأطلسي، بعد أن أصدر مجلس الأمن الدولي القرار 1973، بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وقد فتح القرار الباب على مصراعية أمام التدخل الإنساني وفقا لمبأ مسؤولية الحماية. مما سمح لطائرات حلف الأطلسي بالقضاء على المقدرات العسكرية لنظام القذافي بوسائل مقاومته، ثم قادت في نهاية المطاف إلى قتل القذافي نفسه وتحرير البلاد من نظامه بشكل نهائي في أواخر العام 2011.

***

د. محمد عبدالحفيظ الشيخ ـ رئيس قسم العلوم السياسية، كلية إدارة الأعمال، جامعة الجفرة ـــ ليبيا

***

مجلة العلوم السياسية والقانون : العدد العاشر ” أغسطس – آب ” سنة “2018” وهي مجلة دولية محكمة تصدر عن المركز الديمقراطي العربي المانيابرلين.

تُعنى المجلة في الدراسات والبحوث والأوراق البحثية عمومًا في مجالات العلوم السياسية والعلاقات الدولية،والقانون والسياسات المقارنة، والنظم المؤسسية الوطنية أو الإقليمية والدولية.

______________