Minbar Libya

بقلم طارق يوسف، نهى أبو الدهب، عادل عبدالغفار، يحي زهير، علي فتح الله نجاد، ونادر قباني

    يتطرّق في هذا التقرير الخبراء إلى تحديات ملحّة مرتبطة بالحوكمة والمجتمع المدني وانعدام المساواة والأمن والأوتوقراطية والتغيّر المناخي ومشاركة المواطنين.

الجزء الثاني

عادل عبد الغفار – ينبغي على صانعي السياسات معالجة أسباب انعدام المساواة لتعزيز الاستقرار الإقليمي الطويل المدى

تطغى على العناوين حول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الصراعات الجارية والطائفية والهجرة المتباينة والتشدّد. لكن فيما يشكّل انعدام المساواة المتنامي مسألة سياسات أساسية تساهم في كلّ هذه المشاكل، تلقى قدراً أدنى بكثير من الانتباه.

ففي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يواجه الأفراد مجموعة من أوجه انعدام المساواة المتقاطعة والمتداخلة، بما فيها تلك المرتبطة بالدخل والثروة والتعليم والجندر والوظائف والعناية الصحّية. وتعيق أوجه انعدام المساواة هذه المستمرّة على مدى أجيال وأجيال الحراك الاجتماعي، فتؤثّر سلباً في المجتمع والاقتصاد واحتمالات الاستقرار الإقليمي على المدى الطويل.

وتبعاً للأمم المتحدة، تغيّر مفهوم انعدام المساواة على مدى العقد المنصرم من وجهة نظر متمحورة حول النتائج، وفيها يشير الدخل إلى الرفاه، إلى وجهة نظر متمحورة حول الفرص، وهي تقترح أنّ ظروف الولادة أساسية للنتائج الحياتية وأنّه ما من فرص متكافئة من دون منح الجميع نقطة انطلاق عادلة.

على مستوى سطحي، وانطلاقاً من مقاييس الدخل، يشهد انعدام المساواة تراجعاً في العالم العربي. بيد أنّ أرقام المسوحات للأسر يمكنها أن تكون مضلّلة. فتبعاً للبنك الدولي، يشكّل سوء قياس المداخيل العليا مشكلة أساسية في تقييم انعدام المساواة.

وقد عرض تقرير مشترك للجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) ومنتدى البحوث الاقتصادية عدداً من النتائج المقلقة.

أولاً، على الرغم من المكاسب في رأس المال البشري في العالم العربي، وسّعت الصراعات من نطاق انعدام المساواة بين الدول.

ثانياً، فيما تراجع انعدام المساواة في النتائج داخل الدول في مجالَي التعليم والصحّة، تبقى مستويات انعدام المساواة في التعليم عاليةً ونوعية التعليم الرديئة تحدياً كبيراً.

ثالثاً، يستمرّ انعدام المساواة الإجمالي في الفرص بالازدياد في العالم العربي، بمستويات متفاوتة.

ولا يبشّر انعدام المساواة المتنامي، مقروناً بالتحديات التي تولّدها الصراعات وتغيّر المناخ وشحّ المياه والسلطوية، بالخير لمستقبل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ومع أنّه ما من سياسة واحدة لمعالجة مختلف أوجه انعدام المساواة، ينبغي على صانعي السياسات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وشركائهم الدوليين التركيز في العقد المقبل على مسبّبات انعدام المساواة وعلى كيفية معالجتها.

وينبغي أن يتضمّن ذلك جهوداً متكاملة لزيادة قدرة الوصول إلى تعليم وعناية صحّية جيّدَين ولتعزيز النمو الشامل ولدعم القطاع الخاص بصفته جهة مولّدة للوظائف ولتحسين الحوكمة والمساءلة. ومن شأن القيام بذلك أن يساعد بشكل كبير على تعزيز المجتمعات السليمة والاقتصادات القوية والاستقرار الطويل المدى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

يحيى زبير – ينبغي على الصين تأدية دور أمني أكبر في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لحماية مصالحها الاقتصادية

لقد ازداد حضور الصين الاقتصادي والسياسي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بشكل لافت في السنوات الماضية. فقد أصبحت أكبر شريك تجاري ومستثمر أجنبي مباشر في عدّة دول في المنطقة، من بينها الجزائر، التي كانت تقليدياً “من حصّة” الاتحاد الأوروبي، وخصوصاً فرنسا.

وفيما بقي دور الصين في المسائل الأمنية الإقليمية في الحدود الدنيا حتّى الآن، ستضطرّ هذه الدولة إلى تأدية دور أكبر في حلّ الصراعات على مدى العقد المقبل، بغية حماية مصالحها الاقتصادية الواسعة.

فإمدادات الطاقة مسألة حيوية لنموّ الصين وتحديث إنتاجها المستمرَّين، وتستورد البلاد حالياً قرابة نصف حاجاتها النفطية من الشرق الأوسط.

بالتالي ستبقى معتمدة على منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في العقد المقبل وما بعده. ونظراً إلى حاجات الصين النفطية، من المتوقع أن توطّد شراكاتها الاقتصادية مع أهمّ الدول المورّدة للنفط في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مثلما سبق أن فعلت مع المملكة العربية السعودية وإيران والإمارات العربية المتحدة ومصر والجزائر وغيرها من الدول.

وفيما ستبقى أفريقياً “مجال النفوذ” الأكبر للصين، ستبقى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مصدر طاقتها الأساسي.

وسبق أن وضعت الصين أهدافها بشأن السياسيات حول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من خلال نشر مستندات مهمة، من بينها “الرؤية والتحرك للدفع بالتشارك في بناء الحزام الاقتصادي لطريق الحرير وطريق الحرير البحري للقرن الحادي والعشرين” و”تنمية روح طريق الحرير وتعميق التعاون الصيني العربي” و”ورقة السياسات العربية.

بيد أنّها ستواجه عوائق كبيرة في تطبيقها، بما في ذلك الصراعات والحروب في روسيا وسوريا واليمن، فضلاً عن الخصومات المختلفة بين الجهات الفاعلة الإقليمية والدولية (إيران والمملكة العربية السعودية وإيران والولايات المتحدة الأمريكية، إلخ).

وإزاء انسحاب أمريكي محتمل من المنطقة، ستشكّل الطريقة التي تتعامل فيها الصين مع هذه العوائق اختباراً لمكانتها كقوّة عظمى.

ويكمن التحدّي الأصعب على الصين في العقد المقبل أن تلتزم بواحد من أهمّ المبادئ في سياستها الخارجية:

عدم التدخّل

وفيما ستجهد الصين بالتأكيد للمحافظة على مقاربتها المحايدة في المنطقة، عليها في نهاية المطاف أن تنخرط في دبلوماسية الوساطة الفعّالة. فهل يمكنها أن تبقى محايدة مثلاً بين الرياض وطهران، وهما أكبر جهتين تمدّان الصين بالطاقة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟

ينبغي على الصين أن تتّخذ قرارات صعبة عند مواجهة التحديات المتعدّدة الأوجه التي تشكّلها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وعليها أن تقرّر أيضاً إن كانت ستعتمد مساراً تعاونياً أم تنافسياً مع روسيا التي أصبحت أكثر نشاطاً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ويبرز سؤال مهمّ آخر عمّا إذا كانت الصين قادرة على حماية مصالحها الاقتصادية من دون تشييد المزيد من القواعد العسكرية (كما فعلت في جيبوتي في العام 2017)، لكي لا تبدو كأنّها قوّة توسّعية.

وبدون شكّ، ستزيد الصين من قوّتها الناعمة لتطمئن مخاوف كهذه وتصرّ على أنّ سياساتها مختلفة عن السياسات التدخّلية للولايات المتحدة وبعض القوى الأوروبية.

باختصار، ستتابع الصين بالانخراط اقتصادياً وسياسياً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مع البقاء حذرة من أجل عدم تقويض البنية الأمنية التي أنشأتها الولايات المتحدة والتي خدمت مصالح الصين حتّى الآن.

***

طارق يوسف ـ مدير مركز بروكنجز الدوحة، زميل أول برنامج الاقتصاد العالمي والتنمية

نهى أبو الدهب ـ زميلة السياسة الخارجية، مركز بروكنجز الدوحة

عادل عبدالغفار ـ زميل السياسة الخارجية، مركز بروكنجز الدوحة

يحي زبير ـ زميل زائر، مركز بروكنجز الدوحة

علي فتح الله نجاد ـ زميل زائر، مركز بروكنجز الدوحة

نادر قباني ـ مدير البحوث، مركز بروكنجز الدوحة ، زميل أول ـ برنامج الاقتصاد العالمي والتنمية

__________

بروكـنـغـز