Minbar Libya

بقلم بحري العرفاوي

ظل حكام العرب من غير العسكريين يتخذون من الديمقراطية ستارا يتخفون به لممارسة السلطة المطلقة ولمحاربة معارضيهم يتهمونهم بمعاداة الديمقراطية والتقدمية والحداثة.

.

.

الجزء الثاني

يتبع .. ديمقراطية التحرر

إن الديمقراطية لا تحتاج فقط ثقافة وإنما تحتاج بالأساس جرأة على الجهر بالرأي وعلى تحمل المسؤولية الفكرية والأدبية، تحتاج شجاعة ووضوحا واستعدادا لتحمل تبعات الجهر بالاختلاف وبالنقد.

الديمقراطية تحتاج صدقية ومبدئية بحيث نقول ما نرى وما نعتقد وبحيث نتحرر من شهوة السلطةسواء بالتودد للسلطة القائمة ـ طمعا في منافع آنية ـ أو بالطمع في الوصول إلى السلطة حتى وإن كان باستجلاب العامة بخطاب شعبوي مستثمر في عادات أو معتقدات أو عواطف مشتركة وذاك من أخطر ما يتهدد البناء الديمقراطي.

وهنا نسأل إن كان للحاجة أثرها على الإرادة والشجاعة والوضوح والمبدئية ؟

من يملك قوتك يملك أن يقودك ومن يُطعمك يُلجمك .. الذين يُمسكون بأرزاق الناس يُمسكون بأعناقهم أيضا حين يُهددونهم بحرق رغيفهم فيُرغمونهم على الصمت أو على النفاق..

ولا فرق بين أن تكون السلطة هي الماسكة بأرزاق الناس وبين أن يكون الرأس مال المحلي الخاصهو المتحكم بأقوات من لا رأسمال لديهم فرأس المال سلطة بذاته بإمكانه صنع رأي عام مناصر أو مُعادٍ وبإمكانه ـ وإلى حد كبير ـ التصرفُ في إرادة الكثير من ذوي الحاجة ومن ذوي الاحتياجات الذهنية ومن فاقدي السند المعرفي.

قد يكون رأس مال الدولة أخف وطأة من رأس مال طبقات الاستثراء الهمجي إذ يمكن خوض صراع سياسي بآليات سياسية وإيديولوجية مع رأس مال الدولة في حين أن رأس المال المشوه المفتقر حتى للحد الأدنى من فلسفة الرأسمالية لا يخوض إلا عمليات استنزاف شامل لكل من يقع بين فكيه مدفوعا بنزعة صادية يلتذّ بمشاهد المذلة والضنك والشقاء مما تعانيه الطبقة الكسيحة.

المنشغلون بتدبير أمور معاشهم لا ينشغلون بالتدبير السياسي ولا تعنيهم ديمقراطيةولا يعنيهم من يحكم ولا بما يحكم قدر ما يعنيهم من يعالج مشاكلهم المعيشية ومن يخفف عنهم من أثقال رحلة العمر البيولوجي.

يبدو أن لوثة الاستبداد كامنة في بنية الشخصية العربية منذ انهارت دولتهم وتعرضوا إلى أذى خارجي حين سلبهم المستعمر حريتهم وكسر أنفسهم، والمغلوب يحتاج دائما من هو أضعف منه يمارس عليه الغلبة كي يستعيد توازنه النفسي نحتاج أن نظلم أحيانا كي نستعيد توازنناـ يقول علم النفس ـ.

 الأزواج الذين يتعرضون في مواطن عملهم إلى اعتداءات أعرافهمهم الأكثر ظالمية في بيوتهم لمن هم تحت قوامتهم، يسكت رجال كثيرون يُطأطئون رؤوسهم أمام أعرافتحكمهم عُقد استعلاء ثم يعودون إلى بيوتهم يريدون استعادة رجولتهمالمهدورة وكذا يفعل موظفون وسياسيون ممن يمارس عليهم القهرُ.

علينا أحيانا توجيه أصابع الاتهام نحو أنفسناـ يقول المثل الفرنسي ـ و كما تكونون يُولّ عليكميقول الرسول الكريم.

إن الاستبداد بما هو سلب لإرادة الآخرين إنما هو فعل بشري وليس كارثة طبيعية غير مقدور عليها وليس قدرا محتوما خارج الإرادة البشرية .

المستبدون بشر كغيرهم لديهم دوافع التسلط على غيرهم من البشر ممن لديهم قابلية الخضوع والانقياد.

ويبدو أن أزمة الديمقراطية العربية كامنة في الذات المأزومة، ذات في مجملها تتهيب الاختلاف والنقد وتميل إلى المجاملة واللامبالاة وتنساق في الانقياد الجماعي وتخاتل لتحصيل مرضاة ذي مال وسلطان وتبخل بأثمان الفكرة الحرة والرأي الشجاع ـ للتحرر ثمنه ـ وهي في ذات الوقت ذاتٌ متوجسة .. نافرة .. مستعلية .. نرجسية .. فخورة .. ومتحفزة لاقتناص لحظات الغلبة على من هم دونها قدرة ومكانة.

إن الديمقراطية ليست مجرد آلية تفريز سياسي بقدر ما هي روحانية منفتحة على الآخرين في آرائهم وفي حقوقهم الطبيعية في التعبير والممارسة والاختلاف والتشكل سياسيا وسلوكيا وفنيا واجتماعيا وتعبديا ضمن أغلبية أو ضمن أقلية فالديمقراطية ليست فقط حكم الأغلبية إنما هي ضمانة حقوق الأقلية بالأساس حتى لا تكون استبدادا باسم العامة.

 4- الإسلاميون ضمانة إستراتيجية للديمقراطية

سألني أحد السياسيين العلمانيين:

أليس ممكنا الذهاب إلى الديمقراطية دون الحركة الإسلامية؟ هذه الحركة معيقة للديمقراطية، ليس حولها إجماع شعبي، لماذا لم يساندها الشعب في محنتها؟

أجبته:

هذا الكلام أشبه ما يكون بكلام من نفض يديه من دماء ضحيته ثم نظر إلى شركائه قائلا بدم بارد: هلمّ بنا ندرك صلاة الجمعة.

شركاء المدنيةيريدون الذهاب إلى موسم الحصاد الديمقراطي وخصومهم نائمون.

يعرفون أن خصومهم أولائك يُقيمون الليل وينهضون قبل الشمس .

تلك معضلة الديمقراطية في البلاد العربية: إما تأجيل الديمقراطية والاحتماء بنظام مستبد ـ عادل أو غبر ذلك ـ وإما الذهاب إلى الرهان الديمقراطي مع فائض احتمال الغرقفي الظاهرة الإسلامية.

يُحتاج إلى عقل سياسي شجاع يُشخص الحالة كما هي وليس كما يشتهي خصوم الإسلاميين .

وإن الظاهرة الإسلامية واقعٌ ـ بإيجابياتها وأخطائها ـ وهي أشبه ما تكون بعشب النجمكلما اقتُلع استنبتته التربة أغزر وأغلظ.

ليس هذا كلام عاطفة وإنما كلام طبيعة الأشياء لا يريد قوله الكثير ممن يعرفه .. والنجمعشب دائم الاخضرار ينبت كثيفا في التربة المائية يعسُر استئصاله .

هل يستطيع عاقل الاطمئنان إلى أن آلاف الأشخاص أو عشرات الآلاف لا يمكن أن يرث عنهم أهلهم بعضَ أو كل أوجاعهم؟

كيف لا يُنبه علماء الاجتماع السياسي إلى حقيقة كون الروابط العقدية والدموية هي أوثق عُرًى من روابط التحزب والاستثمار الإيديولوجي؟

كيف لا يُنبه المثقفون إلى حقيقة كون الأفكار والمعتقدات كلما اعتُصِرت كلما تهيأت لتكون خميرة أحداث قادمة؟ .

الظاهرة الإسلامية ليست مستوردة حتى تُعاد إلى أهلها وليست متسللة من خارج تاريخ وثقافة أوطانها إنها نبتٌ شرعي لبذور ثقافية وتعليمية وسياسية واجتماعية وإن الانقضاض عليها هو أشبه ما يكون بفعل الآباء الفاشلين ينقضون على أولادهم يضربون ويتبرؤون.

خاتمة

ستظل طرائق التعامل مع الظاهرة الإسلامية محددة لمسافة الاقتراب من أو الابتعاد عن الديمقراطية وستظل البلاد العربية ـ بأحزابها ومثقفيها وعامتها ـ تدفع ثمن الأوجاع التي تأكل أعمار بناتها وأبنائها حين لا تقتنع بأن الاستيعاب الديمقراطييجب أن يسَع الجميعَ وأن كل محاولة لاستثناء طرف إنما هي فتح باب العودة إلى الاستبداد من جديد.

الاستيعاب الديمقراطيالتونسي أثبت أن حركة النهضة الإسلامية هي الضمانة الإستراتيجية للديمقراطية وللاستقرار محليا وإقليميا ودوليا.

***

بحري العرفاوي ـ كاتب وباحث تونسي

____________