Minbar Libya

بقلم مصطفى الساقزلي

انتشار السلاح والمجموعات المسلحة هو أكبر تحدي أمني واجهته ليبيا خلال السنوات الماضية، لذا فإن بناء الامن و الاستقرار  يستلزم إيجاد حلول لهذا التحدي المعرقل لبناء الدولة ومؤسساتها.

من خلال التجربة الليبية و التجارب العالمية في فض المنازعات وبناء السلام والاستقرار فإن جمع السلاح و تفكيك المجموعات المسلحة لا يتحقق إلا من خلال برامج إعادة الإدماج التي تنتقل بالمسلحين و جماعاتهم من السلاح إلى مجالات أخرى أكثر جاذبية لهم و أكثر نفعا للمجتمع؛ أبرزها مجالات التعليم والتنمية وبناء المؤسسات.

إعادة تأهيل المسلحين من خلال التعليم و رفع الكفأة و إتاحة فرص لهم من خلال ريادة الأعمال والمشروعات الصغرى كفيل بأن ينتقل بشبابنا من كونهم اليوم أداة لعدم الاستقرار الى عناصر للبناء والتنمية.

الحوار أولا

أولى الخطوات في عملية الإدماج  يجب أن تنطلق من خلال  حوار شامل مع كافة المسلحين تشرف عليه الدولة وتتولاه المجتمعات المحلية التي تقع في نطاقها هذه المجموعات المسلحة.

الحوار يجب أن يكون مفتوح وشفاف وصريح على أن يتم بين المسلحين من جهة و مجتمعاتهم المحلية (البلديات،المكونات الاجتماعية، الأسرة،الأجهزة الأمنية المحلية) حيث أن المجموعات المسلحة و أفرادها في هذه المرحلة  أقرب و أكثر ثقة بمجتمعاتهم المحلية من السلطة المركزية.

الهدف من هذا الحوار هو الاستماع لأفراد المجموعات المسلحة ومعرفة آمالاهم ومخاوفهم وأسباب تمسكهم بالسلاح.

من خلال هذا الحوار يمكن إجراء حصر لكل المجموعات وأماكن تواجدها وأعدادها وتسليحها وأوضاع أفرادها النفسية والاجتماعية والتعليمية والمهنية والاقتصادية.

ينتج عن هذه الحوارات رؤية وبرامج لإعادة الإدماج يتوافق عليها المسلحون ومجتمعاتهم المحلية لتعتمدها وتقرها وتدعمها الدولة.

برامج إعادة الإدماج

برامج إعادة الإدماج متعددة خاصة في دولة مثل ليبيا تسعى لإعادة بناء مؤسساتها الأمنية والمدنية وإعادة بناء اقتصادها من خلال توسيع القطاع الخاص والمشروعات الصغرى والمتوسطة وريادة الأعمال.

فمن خلال الإحصائيات وقواعد البيانات التي تجمع من مرحلة الحوار يمكن وضع خطط وبرامج لاستيعاب المسلحين و إعادة إدماجهم. من المهم أن يتم الاتفاق بين كل الأطراف الحريصة على إنجاح هذه البرامج سواء المجموعات المسلحة وأفرادها أو المجتمعات المحلية أو الدولة على خطط وأهداف واتفاقيا تتحدد أعداد ومدد زمنية وميزانيات ونتائج لبرامج الإدماج تلتزم بها كل الأطراف وتوقع على قبولها وعلى رأسها الدولة.

أهم هذه البرامج هي:

1- برنامج التأهيل ورفع الكفاءة: تقديم الدعم النفسي والمعنوي وإطلاق برامج رفع الكفاءة المهنية والتعليمية.

2-برنامج الإدماج الإقتصادي: ريادة الأعمال والمشروعات الصغرى والتوظيف.

3- برنامج الإدماج الأمني: الانضمام كأفراد إلى المؤسسات الأمنية والعسكرية حسب المعايير المهنية لهذه المؤسسات.

4-برنامج الإدماج المدني: تشجيع الشباب على الانخراط في الأنشطة المدنية كمؤسسات المجتمع المدني الاجتماعية والرياضية والثقافية والسياسية للتعبير عن آراءهم وتوظيف طاقاتهم بالطرق السلمية المدنية.

حصر وجمع السلاح

برامج إعادة الإدماج تنقل المسلح من مجموعته المسلحة إلى رحاب أخرى سواء كانت المشروعات الاقتصادية أو التعليم أو الانضمام إلى مؤسسات الدولة الأمنية. بهذه النقلة تتفكك المجموعات المسلحة وينتقل أفرادها إلى مجالات علمية و تنموية و مهنية مختلفة.

نجاح برامج إعادة الإدماج ونقل المسلحين من معسكراتهم وثكناتهم إلى المجالات الأخرى يتيح الفرصة للدولة لكي تنظم هذه المقرات والأسلحة لتكون تحت إشراف القوة الأمنية المحلية في المرحلة الأولى من تنظيم وجمع السلاح.

المرحلة الأولى عادة ما تكون على نطاق المجتمع المحلي (البلديات) لعدة أسباب؛ أهمها بناء الثقة بين المسلحين ومجتمعاتهم المحلية أولا؛ ثم من بعد ذلك السلطة المركزية. هذه المرحلة هامة للغاية، فبنجاحها ونجاح مرحلة الإدماج تبنى الثقة بين المجموعات المسلحة ومجتمعاتهم المحلية ومن ثم السلطة المركزية.

بنجاح المراحل الأولى من إعادة إدماج المسلحين وتجميع السلاح محليا وإشراف الأجهزة الأمنية المحلية على المقرات السابقة للمجموعات المسلحة تكون الطريق ممهدة للمرحلة الأخيرة وهي مرحلة جمع أو إتلاف السلاح.

هذه المرحلة الأخيرة يجب أن يتم التوافق عليها بين كل الأطراف وأن تكون خطة جمع السلاح إحدى المخرجات الأولى لمرحلة الحوار على أن يصدر قانون و لوائح تنظمها و تيسر مرحلة تنفيذها.

بالتوازي: إصلاح واعادة بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية

لإنجاح برامج إعادة إدماج المسلحين وتفكيك المجموعات المسلحة وصولا إلى جمع ونزع السلاح لابد أن تضع الدولة خطة لإصلاح وإعادة بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية.

إعادة الإدماج الأمني وجمع السلاح واستلام المقرات العسكرية مرتبط ارتباطا مباشرا بوجود مؤسسات أمنية وعسكرية مهنية قادرة على القيام بمهام الأمن. كما أن البناء المهني والتزام المؤسسات الأمنية والعسكرية بالقانون وحقوق الإنسان وعدم تسييسها هو شرط لقبولها من طرف المسلحين السابقين ومجتمعاتهم المحلية.

فليس من المقبول أن يطلب من المجموعات المسلحة الاندماج وتسليم سلاحهم  إلى مؤسسات أمنية قمعية أو فاشلة أو فاسدة أو مسيسة.

الخلاصـــــة

الدروس المستفادة من تجارب الدول التي مرت بنزاعات مسلحة وحروب أهلية وانتشار للميليشيات المسلحة كلها تبين أن بناء الاستقرار يتأتى من خلال حوار يصل بالفرقاء إلى اتفاق سلام يبنى عليه خطط لإعادة إدماج وتفكيك المجموعات المسلحة وجمع السلاح.

هذه الخطط يجب أن يسبقها حوار مجتمعي مع هذه المجموعات تكون الدولة وحكومتها  والمجتمع المدني والرأي العام الشعبي جميعها مستعدة لدعمه ومساندته ودعم الاتفاقيات وبرامج الإدماج الناتجة عنه.

كما أن إعادة الإدماج وتفكيك المجموعات المسلحة يجب أن يصحبه برنامج لإعادة بناء الأجهزة الأمنية والعسكرية المهنية المنضبطة بالقانون حتى يثق فيها المجتمع والمسلحون السابقون ليسلموها سلاحهم عن رضا.

***

مصطفى الساقزلي / كاتب وباحث ليبي

_____________