Minbar Libya

بقلم عبدالسلام اجويد

يُعد محافظ مصرف ليبيا المركزي الصديق الكبير من كبار المستفيدين من الانقسام السياسي الذي أنتج غياب السلطة التشريعية المخولة بمتابعته.

وكذلك فقدان إمكانية إعادة النظر في منصبه؛ لصعوبة اتفاق مجلسي النواب والدولة، فضلا عن غياب أو تغييب البنك المركزي، فلا نائب للمحافظ ولا مجلس للإدارة،

تفرد الكبير بقراراته حتى أصبح صاحب الرأي الأول والنهائي بالمصرف المركزي، إضافة إلى قفزه على اختصاصات الأدوات التنفيذية، والتعدي على اختصاصات وسياسات جهات أخرى من بينها وزارتي المالية والاقتصاد، علاوة على إقفاله لباب مصرفه أمام سلطات الدولة الرقابية، رافضا التعاون معهم،

فقد ذكر ديوان المحاسبة أن الكبير استخدم كل ما أوتي من نفوذ وبذل كافة المساعي نحو محاولة إخفاء أي بيانات خاصة بالتحويلات الخارجية والاعتمادات المستندية ومستندات رسم التحصيل، وهذه الاتهامات اتفق معها رئيس هيئة مكافحة الفساد نعمان الشيخ الذي وصف الكبير بأنه دكتاتور ليبيا الجديد.

يرفض الدينار ويتغاضى عن الـ 50

تناقض في تعامل الكبير مع العملة المزيفة التي طبعها الحبري بطرق غير شرعية في روسيا، حيث أهمل القانون مع فئتي العشرين والخمسين دينار التي طبعت منها مليارات منذ 2016، هذا التغاضي كان نتيجة صفقة قذرة مع عدد من أعضاء مجلس النواب، أبرزهم رئيس اللجنة المالية، ونائب آخر انضم بعد العدوان إلى مجلس طرابلس.

هذه المقايضة الدنيئة كانت تهدف لتمرير العملة المزورة مقابل استعطاف مجلس النواب واستمالته لبقاء الكبير في منصبه، إلا أن هذا الاتفاق لم يصمد طويلا، فانهار قبل مرور عام واحد، وتحديدا في أبريل 2017 عندما حدد مجلس النواب موعدا لجلسة اختيار محافظ جديد لمصرف ليبيا المركزي وإرهاصات استبدال الكبير بالشكري.

هذه التحركات قابلها الكبير بصلابة وحزم باتخاذ الإجراءات القانونية مع الدينار المعدني؛ لرفض تداوله والتعامل به.

يحاول الكبير ومن يدور في فلكه تبرير موقفه المتخاذل، بحجة أنه خاطب المجلس الرئاسي بخصوص العملة المزيفة، وما هي إلا محاولة ساذجة ترمي إلى ذر الرماد في العيون وصرف الأنظار عن المقصّر الفعلي وصاحب الاختصاص الحقيقي ألا وهو مصرف ليبيا المركزي الذي يعد شريكا فعليا في الجريمة، ومع الدينار الحديدي لم يخاطب الرئاسي، بل اتخذ على وجه السرعة الإجراءات التي يخولها له القانون في مثل هذه الحالات.

الصدّيق الكبير في مأزق، وظل لازما الصمت والاختفاء رغم مطالبة الأجسام الثلاث بضرورة اتخاذ إجراءاته حيال العملة المطبوعة بطرق غير شرعية، لأنه يرى في السكوت الخيار الوحيد؛ ليخفي تواطؤه وشراكته في هذه الجريمة.

فقد انحصرت الحلول والأقرب هو سحب الإصدار الشرعي والمزيف لفئتي العشرين والخمسين دينار، وهذا الخيار لا يتوافق مع رغبات رجال الأعمال والتجار، وهو ما يفسر رفضهم اتخاذ إجراءات قانونية لوضع حدٍ لمسلسل تزييف العملة.

حجج واهية لتأخير منحة أرباب الأسر

عقب إعلان الطبعة الجديدة للدينار في فبراير من العام الجاري وبعد بضعة أشهر من اعتماد برنامج الإصلاحات الاقتصادية، فاجأ الكبير الليبيين بإيقافه منحة أرباب الأسر بحجة التلاعب في منظومة الرقم الوطني.

ادعاءات الكبير فنّدتها مصلحة الأحوال المدنية ووزارة الداخلية، وخلال أسبوع تلاشت هذه الادعاءات، وأعلن المركزي استئناف صرف منحة أرباب الأسر، دون توضيحه لمعالجة التزييف الذي تحجّج به؛ ليدلّل بوضوح على مدى تخبّطه ومحاولاته وضع العصا في عجلة الإصلاحات الاقتصادية.

محاولة وأد الإصلاحات الاقتصادية

بعد وعود ومماطلات وأشهر من الانتظار من إعلان حزمة الإصلاحات الاقتصادية، وفي خطوة غير متوقّعة رفع الصدّيق الكبير الراية الحمراء ورمى بكرة الإصلاحات في ملعب مجلس النواب؛ لاعتمادها، وهو المجلس ذاته الذي لا يعترف بالكبير، وأقاله وكلف الحبري بدلا عنه.

خطوة بعيدة كل البعد عن المنطق والإجراءات السليمة، أقدم عليها الكبير ليجهز على الإصلاحات، إلا أن رغبته الهشّة تحطّمت بفعل أمواج التغيير التي شهدتها رئاسة المجلس الأعلى للدولة.

فقد مارس حزب العدالة والبناء ضغوطًا شتّى في اتجاه إقرار الإصلاحات، التي كانت من أهم الملفات على طاولة ديوان رئاسة الحزب، وقد أولاها اهتماما خاصا؛ لأن أزمة السيولة تؤرق الناس وتصطف في طوابير أمام المصارف، وغلاء الأسعار يزيد من معاناتهم، مع استمرار نزيف النقد الأجنبي للدولة بفعل مسرحية الاعتمادات الوهمية والحاويات الفارغة وتهريب الوقود.

كذلك تفاقم الدّين العام الذي يهدّد بإفلاس الدّولة، كل هذه الاعتبارات كانت تشكّل هاجسا حقيقيا لدى قيادات الحزب، ويرون في حزمة الإصلاحات الاقتصادية السبيل الوحيد؛ لمعالجة التشوّهات، وإنهاء الأزمة الاقتصادية للمواطن والدّولة على السّواء.

هذه السّردية بفعل معاصرتي لتلك الفترة داخل الحزب بصفتي أحد أعضاء ديوان رئاسته سابقا، وهي ليست إذاعًا لأسرار المجالس، فقد عبّر رئيس الحزب في أكثر من مناسبة عن دعمه لبرنامج الإصلاحات كما انعكس ذلك على المنصّات الإعلامية للحزب والمقرّبة منه.

إضافة إلى دور كتلة العدالة والبناء في الأعلى للدولة حتى وصل أحد أعضائها لرئاسة المجلس، والذي أكمل المشوار بالضّغط على المحافظ وفق صلاحياته ومعرفته بالنظام الاقتصادي ليشارك في اعتماد الإصلاحات رفقة المجلس الرئاسي والمحافظ في ظل غياب مجلس النواب، الذي اشترط الكبير موافقته يوم رفعه للراية الحمراء، ليضيف نقطة أخرى في سجلّ تناقضاته، وعلامة استفهام على مماطلته لتطبيق الإصلاحات كل هذه المدّة.

نقطة آخر السطر

أمام هذا التناقض الصارخ، وفي ظل غياب الأجهزة الرقابية؛ يبقى للإعلام الدّور الأبرز باعتباره سلطة رابعة وقوى ضاغطة على السلطة الحاكمة، باستقصاء المعلومات الصحيحة ونشر الحقائق، والتنبيه إلى الأخطاء وطرح مسارات تصحيحية لها، فالإعلام منتوج ديمقراطي يمثّل الشعب، ويراقب بشكل دقيق ومتواصل أداء السلطات الثلاث والمؤسسات التابعة لها.

ومن هذا المنطلق يتوجّب على وسائل الإعلام المتنوّعة والنّخب السياسية والاقتصادية كسر جدار الصمت وممارسة دورهم الحقيقي؛ للضغط على المسؤولين وصنّاع القرار وفضح المتلاعبين منهم، وهزّ عروشهم؛ لإجبارهم على القيام بواجباتهم تجاه الشّعب.

***

عبدالسلام اجويد ـ كاتب صحفي ليبي

_________