Minbar Libya

بقلم عائد عميرة

حدث ما كان منتظرا منذ أيام، حيث طلبت حكومة الوفاق الليبية رسميا تدخلا عسكريا تركيا بريا وبحريا وجويا في البلاد لصد الاعتداءات التي تشنها قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر والمرتزقة الروس والسودانيين العاملين تحت إمرته، ضدّ العاصمة طرابلس التي تضمّ مقر حكومة السراج ومقرات البعثات الدبلوماسية.

ترحيب تركي

طلب، استبقه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بتأكيده على أن البرلمان التركي سيدرس في يناير/كانون الثاني المقبل مذكرة تنص على السماح بإرسال جنود إلى ليبيا من أجل دعم حكومة الوفاق الوطني.

وقال أردوغان في خطاب بالعاصمة أنقرة سنقدم المذكرة لإرسال جنود إلى ليبيا فور استئناف أعمال البرلمانيوم 7 يناير/كانون الثاني المقبل. وأضاف الرئيس التركي إن شاء الله سنكون قادرين على إقراره يوم أو 9 يناير/كانون الثاني وعلى تلبية دعوة الحكومة الليبية الشرعية“.

بالتزامن مع ذلك، قال مبعوث الرئيس التركي إلى ليبيا، أمر الله إيشلر، إن بلاده لا يمكن إلا أن تستجيب لطلب الدعم الذي تقدمت به حكومة الوفاق الليبية المعترف بها دوليا.

وقال إيشلر في تغريدة على تويتر إن موافقة البرلمان التركي على تفويض الحكومة التركية بتقديم العون العسكري لليبيا سيظهر مرة أخرى للشعب الليبي الشقيق ولحكومته المشروعة أن تركيا ستكون دائما بجانبهم.

وسبق أن وقع الرئيس التركي مذكرتي تفاهم مع رئيس الحكومة الليبية فائز السراج، في 27 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، المذكرة الأولى تتعلق بترسيم الحدود الملاحية في البحر المتوسط، أما المذكرة الثانية، فهي متعلقة بإرسال قوات تركية إلى ليبيا إذا طلبت حكومة الوفاق الوطني دعمًا عسكريًا.

حماية الشرعيةفي ليبيا

تدخّل تركيا بهذا الثقل في الملف الليبي، المراد منه حماية هذا البلد العربي من خطر التقسيم والعسكرةالذي يسعى له حفتر بمساعدة دول عربية وغربية، لا هم لها إلا خراب هذا البلد العربي، للسيطرة على موارده الطبيعية والاستفادة من موقعه الجغرافي.

حماية ليبيا، يمرّ حتما وفق المسؤولين الأتراك عبر حماية الشرعيةهناك والمتمثّلة في حكومة فائز السراج المعترف بها من الأمم المتحدة، التي انبثقت عام 2015 عن محادثات استمرت لعدة أشهر في مدينة الصخيرات المغربية.

وتواجه حكومة الوفاق الوطني منذ أشهر، هجمات عسكرية يقودها خليفة حفتر ومرتزقة أجانب للسيطرة على العاصمة طرابلس، ففي الرابع من ابريل/نيسان الماضي أعلن حفتر وأتباعه شنّ هجوم على العاصمة بإيعاز من دول عربية على رأسها الإمارات ومصر لإجبار الحكومة الشرعية على الخروج منها وتسليم المدينة له.

دعم نوعي دون إحداث أي مواجهة ميدانية

تلويح النظام التركي بإرسال قوات عسكرية إلى طرابلس لدعم حكومة الوفاق الوطني، الهدف منه تخويف اللواء المتقاعد خليفة حفتر وقواته والمرتزقة العاملين تحت إمرته وتحت إمرة بعض الدول المتدخّلة هناك، حتى يتراجعوا عن دخول العاصمة ويلجؤوا إلى الحل السياسي.

نفهم من هذا أن الرئيس التركي لن يقدم على إرسال قوات عسكرية على أرض الواقع، وإنّما سيكتفي في البداية بإرسال بعض الأسلحة النوعية على غرار الطائرات المسيرة ومضادات الطائرات والمدرعات لحكومة الوفاق حتى تتحكم في زمام الأمور.

ويستعين حفتر في حربه ضدّ حكومة الوفاق بدعم كبير من قبل مئات المرتزقة الروس، حيث ذكرت معلومات استخباراتية أن مجموعات مرتزقة روس تدعم قوات حفتر بالتدريبات، وتساعده في توطيد نفوذه العسكري عن طريق إمداده بقطع المدفعية والدبابات والطائرات دون طيار والذخيرة، وغيرها من أشكال الدعم اللوجستي.

كما يستعين حفتر بالآلاف من المرتزقة السودانيين، وانظمّ حديثا المئات من المرتزقة السودانيين تمّ تجنيدهم في دارفور في الأشهر الأخيرة إلى قوات خليفة حفتر التي تقاتل حكومة الوفاق الوطني المتمركزة في طرابلس.

وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد صرح خلال زيارته إلى تونس اليوم الأربعاء، أن هناك خمسة آلاف مقاتل سوداني وألفين من المرتزقة الروس يقاتلون في ليبيا، وتساءل عن الصفة التي دخل بها هؤلاء إلى ليبيا، وأضاف ما عملهم هناك؟ وما ارتباطاتهم؟“.

فضلا عن ذلك، يستعين حفتر بدعم دبلوماسي وعسكري مصري، إذ غالبا ما ترسل مصر قطع حربية لحفتر وبعض المدرعات التي تعتبر أحدث المشاريع المشتركة بين هيئة التصنيع المصرية وشركة ذي آرمرد غروبالأميركية.

إلى جانب ذلك، يتلقى حفتر دعما عسكريا كبيرا من قبل دولة الإمارات العربية المتحدة، ويتمثّل هذا الدعم خاصة في الطيران المسير الذي راح ضحيته عشرات المدنيين الأبرياء.

هذا دون أن ننسى الدعم الفرنسي، ويعتبر وصول هذا الدعم العسكري لحفتر انتهاكًا واضحا لقرار حظر التسليح المفروض على ليبيا من مجلس الأمن الدولي منذ عام 2011.

تدخل عسكري مباشر

في حال تطوّر الوضع، ولم ينسحب خليفة حفتر وقواته إلى الخطوط الخلفية والمناطق التي جاء منها قبل إعلان هجومه على طرابلس، من المتوقّع أن تغيّر تركيا خططها في ليبيا وتزيد من حجم دعمها لحكومة الوفاق الوطني هناك.

في هذه الحالة، من المتوقّع أن نشاهد تدخلا عسكريا مباشرا من جانب أنقرة وحدوث مواجهة ميدانية بين القوات التركية وقوات حفتر وحلفاءه لتأكيد وقوفها بجانب حكومة الوفاق لحماية الشرعية من خطر خفتر وداعميه.

بالنظر إلى إقدام تركيا على عملية نبع السلامعلى الحدود مع سوريا رغم العقوبات الأميركية التي لوحت بها، ووجود قوات روسية وإيرانية هناك، فإن إرسال جنود من القوات الخاصة إلى ليبيا يبدو متوقعا أيضا.

أهمية التدخل التركي العسكري

يؤكّد المحلل السياسي والكاتب الليبي عصام الزبير أن التدخل التركي سيقلب معادلة الصراع في بلاده، ويتجلّى ذلك وفق قوله، في تسارع حلف حفتر بالصراخ ومحاولة قلب الطاولة والدعوة لعدم التدخل العسكري التركي بالرغم من تدخلهم إلى جانب حفتر بالسلاح والمسلحين.

ويعتقد عصام الزبير، أن الخوف من السلاح التركي والدعم التركي والاتفاقية البحرية والأمنية والعسكرية هو دليل على فشل حلف حفتر والتعويل على حفتر لأنهم يعلمون بان الأمر سيكون وابلا عليهم لذا فهم يحاربون سياسيا وإعلاميا هذه الاتفاقيات ويحاولون منع الدعم لعلمهم بالصمود الأسطوري لقوات الوفاق التي لا تمتلك دعم ولا سلاح نوعي ومتطور، فما بالك إذا وصل إليها الدعم التركي، وفق قوله.

بدوره يؤكّد الإعلامي الليبي أنس المسلاتي أهمية التدخل التركي، ويقول المسلاتي في هذا  الشأن، التدخل التركي في هذه اللحظة مهم جدا لدعم الشرعية ودعم قوات الجيش الليبي التابع لحكومة الوفاق في ظل التغول الحاصل في الملف من قبل الدول الخارجية وأبرزها ما ظهر على الساحة في الآونة من مرتزقة يتبعون لشركة الفاغنر الروسية.”

ويضيف الإعلامي الليبي في تصريح لنون بوست، التدخل التركي في هذه الأثناء جاء بناء على مذكرة تفاهم أبرمتها الحكومة المعترف بها دوليا والتي تمثل ليبيا في جميع المحافل الدولية مع الدولة التركية للدفاع المشترك وهذا ما طلبته مؤخرا حكومة الوفاق الوطني لدعم القوات الشرعية على الأرض.”

ويؤكّد أنس، أن هذا التدخّل سيحد من التغول المصري الإماراتي الطامح إلى السيطرة على ثروات ليبيا واستمرار الصراع الدائر في ليبيا، فكلاهما لا يريد أن يرى ليبيا مستقرة فهما يخشيان أن تتحول الدولة الليبية إلى دولة ديمقراطية ناجحة بالنظر لموقعها الاستراتيجي والتي تعتبر بوابة المغرب الغربي وأوروبا.

هذا الدعم التركي المرتقب، من شأنه تغيير المعادلة في ليبيا، وأن يرجع حفتر إلى حجمه الأول، فتركيا وفق أردوغان لن تترك حكومة الوفاق لوحدها تجابه حفتر والدول العربية والغربية التي تدعمه، وستقف إلى جانبها بجميع الطرق المتاحة لضمان استقرار ليبيا.

***

عائد عميرة ـ محرر في نون بوست

__________