Minbar Libya

بقلم السنوسي بسيكري

في تصريحين متتاليين، قالت المؤسسة الوطنية للنفط، الجهة المعنية بإدارة النفط الليبي إنتاجا وتكريرا وتصديرا، إنها شاركت في اجتماعات دولية تتعلق بمناقشة كيفية إدارة عوائد الخام الليبي، وأعلنت المؤسسة أنها مصرة على الشفافية في إنفاق الإيرادات النفطية وأنها تدعم التوزيع العادل للثروة بين كافة الليبيين.

الاختصاص والأهلية

بالقطع ما كان ينبغي للمؤسسة الوطنية أن تشارك في اجتماعات تناقش قضايا مصيرية ليست من اختصاصاتها، كما أن حديثها عن الشفافية وتوزيع الإيرادات محرج للجهة العليا التي تتبعها المؤسسة وهي المجلس الرئاسي، المعني بملف الإيرادات والنفقات والمسؤول عن إبلاغ الرأي العام بهذه القضية الحساسة. 

قد يُفهم من صمت المجلس الرئاسي الموافقة على ما جاء في بيانات المؤسسة الوطنية للنفط، وسيكون صمته دليلا آخر على العجز في حال عدم رضاه.

لماذا الدعوة لتوزيع الثروة؟

تحدث المسؤول السابق للبعثة الأممية إلى ليبيا، غسان سلامة، عن توزيع الثروة، وذلك بعد أسابيع من العدوان على طرابلس، وأصبح هدر الثروة أحد مبررات العدوان، إلا أن حكام الشرق الليبي لم يعيروا تصريحات سلامة انتباها باعتبار أنهم متجهون للسيطرة على العاصمة وسيكونون المعنيين بتقرير كيفية إدارة المال العام.

وبمجرد ظهور مؤشرات فشل العدوان على طرابلس، وبعد أن تغيرت موازين القوى والصراع بحصول حكومة الوفاق على الدعم العسكري التركي، وبعد تراجع الدعم المادي للجبهة الشرقية من دول الخليج، ارتفع صوت خليفة حفتر وعقيلة صالح مطالبين بحصة في عوائد النفط، ولحقتهم القاهرة في دعم هذا المطلب، بحيث صار ضمن كل تصريح يصدر عن الرئاسة المصرية أو وزارة خارجيتها.

وبالمختصر، فإن من يطالبون بتوزيع الثروة لا يحركهم التفاوت الاقتصادي والاجتماعي بين المناطق المختلفة وبين شرائح المجتمع في ليبيا، بل إن دوافعهم سياسية لها علاقة بصراع النفوذ.

المقاربة الدولية لتوزيع الثروة

التسريبات التي نقلتها مصادر إخبارية عالمية تحدثت عن خطة دولية لإدارة الإيرادات النفطية بعيدا عن الآلية المتعارف عليها التي ينظمها القانون المالي للدولة، والتي تدار فيها الإيرادات والنفقات بالتنسيق بين المؤسسة الوطنية للنفط ووزارة المالية والمصرف المركزي، بحيث تنزع صلاحيات المصرف المركزي في حفظ الإيرادات وتغطية النفقات كونه الخزينة العامة للدولة، وتحتفظ بها المؤسسة الوطنية إلى أن يتم البت في آلية موازية.

المقاربة المطروحة بحسب بعض المصادر الدولية أن تنقل الإيرادات إلى حسابات خارجية تشرف عليها لجنة دولية هي التي تأذن بتسييل الأموال وفق قرارات صادرة عن جسم ليبي مواز، وليس المصرف المركزي. 

في هذه المقاربة من العيوب والمخاطر الكثير، إذ ليس هناك ضمان أن لا يقع المحذور في إدارة الإيرادات النفطية العام بعد إعادة توزيعها بدعوى العدالة، كما أنها تفتح الباب على مصراعيه للصراع بين المكونات السياسية والاجتماعية والعسكرية في كل حيز جغرافي، بمعنى تعظيم الأزمة بتوسيعها وتعميقها.

والأولى حل المشكل السياسي والتركيز على تنظيم البيت الليبي عبر الانتخابات أو التوافق ومعالجة ازدواجية المؤسسات السيادية وضعفها وتحديد الشكل الإداري للدولة، ليأتي بعد ذلك التوافق على ملف الثروة، أما تجاوز كل ذلك والشروع في تقسيم الإيرادات فهو أشبه بالقفز في الهواء في فضاء لا قاع له.

نزاع الأطراف الإقليمية والدولية حول النفط الليبي

انتقلت معركة السيطرة على القرار في ليبيا عبر السيطرة على العاصمة إلى الصدام في المنطقة الوسطى حيث حقول وموانئ النفط، فقد أذن دخول عناصر الفاغنر إلى حقل الشرارة، أكبر الحقول، واحتمال انتقالهم إلى حقول أخرى، بتصاعد التدافع بين الأطراف الدولية حول النفط الليبي.

قد لا تكون الولايات المتحدة الأمريكية معنية بالنفط الليبي، لكنها بالقطع تتخوف من أن يكون أداة روسيا لتكريس وجودها وتعزيز نفوذها في المنطقة، كما أن الخام الليبي لا يشكل أهمية مباشرة لفرنسا لكنها قلقة جدا من أن تتحصل تركيا على منافع كبرى بعد تثبيت وجودها في ليبيا.
وتشاطر مصر فرنسا الشعور تجاه تركيا، لكنها معنية بشكل أكبر بالحصول على حصة من العوائد بشكل مباشر أو غير مباشر، فالقاهرة تعتبر نفسها الأولى من بين كل الدول المعنية بالشأن الليبي بعوائد النفط.

عليَّ وعلى أعدائي

المحزن جدا تحول التدافع بين الليبيين إلى صراع صفري لا مكان للرشد فيه، فحتى بعد فشل العدوان على طرابلس وانتكاس مشروع العسكرة، ما يزال العداء هو الغالب خاصة لدى عرابي وأنصار الغلبة والسيطرة بالقوة، فعند هؤلاء لا حساب ولا اعتبار لمخاطر المغامرات والحروب وآثارها المدمرة، ولسان حالهم: إما نحن أو الطوفان

___________